social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • صعود اليمين الشعبوي في ألمانيا

  • رحلة الحج بين الروحانية والعولمة

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

تحليل أسباب عدم نجاح مجموعات العمل الجماعية في سورياOposotion Genef

يتناقل الكثير من السوريين مقولة منسوبة للرئيس الراحل شكري القوتلي حيث قال لجمال عبد الناصر في معرض تسليمه السلطة إبان الوحدة بين سوريا ومصر عام ١٩٥٨ مفادها ( سأسلمك شعباً نصفه زعماء ونصفه الآخر أنبياء). لعله يعني بذلك أن عموم الشعب السوري كبير الطموح وصعب القياد. و لعل تجربة الثورة السورية خلال السنتين الفائتتين وتكاثر الأشخاص والكيانات والهيئات التي ادعت تمثيل الشعب السوري وتنافست على قيادته تؤكد هذا المعنى.

رغم أن المقولة المنسوبة للراحل شكري القوتلي عمرها أكثر من 56 سنة إلا أن هذه الظاهرة لم تحظَ بدراسة حقيقية تختبر صحتها وتحلل أسبابها وتقترح حلولاً للتعامل معها. و لعل مثل هذه الدراسة أصبحت اليوم في ظل ظروف الثورة الشعبية التي تعيشها سوريا أكثر إلحاحا و ضرورة من أي وقت مضى.

 

 

سبق وأن أشرت في مقال سابق (نظرة إدارية نقدية للكيانات والتنظيمات الثورية السورية) إلى بعض أسباب الفشل الإداري لهذه الكيانات من خلال التعرض لبعض جوانب الضعف في الهيكليات الإدارية لهذه الكيانات.  وفيما يلي محاولة بحثية على مستوى التحليل الاجتماعي تحاول أن تفتح الباب لفهم أسباب تكاثر الكيانات الثورية والعسكرية والسياسية التي ظهرت في ظل الثورة الشعبية السورية ومن بعد ذلك انفراط عقد الكثير منها مبكرا قبل أن تنجز أهدافها التي تأسست من أجلها. و كذلك من أجل إقتراح حلول تعالج هذا القصور في الكيانات والمنظمات المعنية.

1 نشوء المجموعات وخصائصها

عندما يتواصل أي شخصين لفترة زمنية كافية تنشأ بينهما علاقة معينة لها مواصفات و محددات تحدد إطار التعامل فيما بينهما و عندما يقومان بتنظيم هذه العلاقة يصبحان فريق عمل.  كلما ازداد عدد أعضاء الفريق تصبح هذه العلاقة أعقد و تتعدد أبعادها. و يمكن إيجاز خصائص أي فريق عمل بما يلي:

1ـ 1 أهداف المجموعة:

يعيش الإنسان في الحياة ضمن مجموعات يضطلع ضمنها بأدوار مختلفة: فهو أب في المنزل وموظف في الشركة وعضو في مجموعة عمل سياسية. كل مجموعة من هذه المجموعات تقوم لأجل تحقيق أهداف محددة هي الغاية من العمل الجماعي ضمن فريق. وعادة ما يتحقق الإنسجام والتفاهم بين أعضاء الفريق الواحد بالقدر الذي يتحقق فيه الفهم المشترك لأهداف هذه المجموعة. وجود هذه الأهداف ووجود الفهم المشترك الصحيح لها ووضعها في خطة عمل قابلة للتنفيذ يخلق للمجموعة مشروع عمل يستقطب طاقاتها ويطور كفاءاتها ويمكنها من زيادة التواصل بين أفرادها مما يعمق شعور الإنتماء ويخلق مفهوم "نحن" على حساب مفهوم "الأنا"ويقارب بين وجهات النظر والسلوكيات بين أفرادها المختلفين كما يساعد أفرادها على بلورة أدوارهم فيها وفهمهم لواجباتهم وحقوقهم بشكل أفضل. وفي نفس الوقت فإن غياب هذا المشروع وخاصة في الفترة الأولى بعد تأسيس المجموعة أو الكيان المعني سيؤدي إلى فقدان هذا الوسط أو المركز الذي سيجمع الأطراف المختلفة حوله وبالتالي سيكون التواصل بين الأفراد ضعيفاً والعمل الجماعي شبه معدوم مما سيؤدي بكل فرد من أفراد المجموعة للبحث عن دور له يؤديه خارج إطار المجموعة وبالنتيجة لن يكون لديه وقت للعمل مستقبلا في إطار المجموعة. أو سيؤدي إلى إنشغال أعضاء المجموعة بالخلافات الإدارية والتنظيمية أو العقائدية والإيديولوجية فيما بينهم. مما ينقل العمل إلى سكة التأزم ويجعله عرضةً  للانحلال.

في الكثير من الكيانات التي إجتمعنا بها في ظل الثورة كان الهدف من تشكيلها هو شعارات كبيرة اعتُبرت أهدافاً مثل: إسقاط النظام، توحيد القوى الثورية في سوريا، بناء الدولة المدنية، بناء الدولة الإسلامية أو دولة الخلافة. وبعد إجتماعهم عدة إجتماعات يحاول أعضاء هذه الكيانات تحويل هذه الشعارات إلى أهداف واقعية ومرحلية قابلة للتنفيذ, ولكنهم يكتشفون أنهم غير متفقين على طريقة تحقيق هذه الأهداف المرحلية رغم إتفاقهم على الشعارات الكبرى، مما يؤدي عمليا إلى موات مجموعتهم قبل بدئها بالعمل. وفي حالات أخرى يتفقوا على الأهداف المرحلية ولكنهم يعجزون عن تحويلها لمشروع عملي قابل للتنفيذ وذلك إما لنقص الخبرات أو نقص الكفاءات أو لعدم ملائمة الظروف وبالتالي تبقى المجموعة لفترة طويلة بدون عمل حقيقي سوى الإجتماعات الدورية التي يتناقص عدد الملتزمون بها مع الأيام حتى تنتهي المجموعة وتتلاشى.

اختلاف الأهداف الشخصية عن أهداف المجموعة:

في ظل الثورة اجتمع ناشطون كثيرون كان القاسم المشترك بينهم هو الرغبة بالتغيير مما دفعهم لبناء مجموعات عمل من أجل تنظيم عملهم لتحقيق هذا الهدف المشترك. في بعض الأحيان، قد تتوفر لمجموعة عمل ما كامل أسباب النجاح، حيث تكون لديها أهداف واضحة ومحددة وطريقة واضحة لتحقيق هذه الأهداف. إلا أن العنصر البشري في أية مجموعة يتطور دائماً مع الزمن، وقد تختلف مصالح أحد الأعضاء الشخصية عن مصالح المجموعة مع مرور الأيام فيقدم مصالحه بالشكل الذي يؤذي عمل المجموعة. أو قد تتوفر له من خلال عمله في المجموعة  فرص تتيح له تحقيق مصالح شخصية على حساب المجموعة مما يولد لدى باقي أعضاء المجموعة شعور بالغبن والخديعة، وهذا يؤدي بدوره إلى شلل المجموعة و توقفها عن الإنتاج لإختلال العلاقات بين أفرادها وإفتقادها للحد الأدنى اللازم من الثقة الذي يؤهلها للإستمرار في العمل.

stages

1-2 قواعد ونواظم العلاقات داخل فريق العمل:

عادة ما تنشأ هذه القواعد و النواظم بشكل طبيعي أو غير واعٍ فتكون أشبه بالقواعد غير المكتوبة و المستمدة عادة من البيئة التي نشأ بها فريق العمل أو من طبيعة العلاقات بين أعضاء الفريق. فكل فريق عمل يكون لديه تصور لما هو صحيح وما هو خاطىء وما هو مقبول وما هو غير مقبول. وتساهم النشاطات الجماعية التي يقوم بها أي فريق في تقريب وجهات النظر وتعميق الفهم المشترك لأهداف الفريق وكذلك لضوابط وقواعد العمل الجماعي. هذه القواعد قد تتحول فيما بعد إلى قيم خاصة بالمجموعة يعرف بها أفرادها أنفسهم من خلال ذكر كلمة "نحن" أي من خلال شعورهم بالإنتماء للمجموعة. فعلى سبيل المثال: أذكر أحد الأعضاء في فريق العمل الذي كان يقاطع جلسات الإجتماعات دائما لطرح قضايا جانبية أو ليست مدرجة على جدول الأعمال. وعندما تكرر الأمر تم زجره من العديد من الأعضاء لمخالفته ما هو معروف بالبديهة من إلتزام بجدول الأعمال. كما أن هناك أيضا شخص كان يوجه إعتراضاته من خلال التعريض للأشخاص بدل التعريض للسلوك الذي يزعجه مما جعله منبوذا من باقي الفريق و رفض الآخرين التعامل معه.

تقوم كل مجموعة بحماية الضوابط و القواعد الخاصة بها أيضا بشكل تلقائي من خلال إزدرائها للشخص الذي يخل بهذه القواعد والتعامل معه على أنه غير منضبط أو ربما منبوذ. و في أغلب الأحيان يتم تثبيت هذه القواعد من خلال محاولة البعض خرقها فتتم معاقبتهم بالشكل الذي يثبت هذه القواعد ويعلم جميع الأفراد الحدود التي لا يسمح لهم بتجاوزها.

يتم تغيير هذه القواعد عادة بشكل تلقائي وبطيء يبدأ في اللاوعي نتيجة تغير ظروف المجموعة وينتهي بالتنفيذ. أو يبدأ لدى بعض الأفراد الذين يكسرون بعض القواعد ويفرضون قواعد جديدة كأمر واقع، وفي حال تعايش باقي الفريق مع القواعد الجيدة يكونوا بذلك قد غيروا قواعد ونواظم مجموعتهم. وفي حال تم رفض التغيير من باقي المجموعة قد يؤدي ذلك إلى صراع على النفوذ من أجل تحديد قواعد المجموعة.

كيفية التعامل مع من يخل بقواعد المجموعة أو الخارجين عن هذه النواظم:

في كل مجموعة هناك دائما من لا ينسجم مع بعض قواعدها و يخل بها بشكل مستمر رغم أنه ينتمي للمجموعة لإيمانه بأهدافها و لقبوله بالدور المناط به فيها. وجود هؤلاء الأشخاص يعتبر طبيعي و ضروري في كل مجموعة حيث أنه يقوي الروابط و يزيد التماسك بين باقي أفراد المجموعة لأنه يعمق مفهوم "نحن" لديهم و يدفعهم لتعريف أنفسهم بالتمايز عنه نظرا لإلتزامهم بالقواعد التي قام هو بخرقها. و في كثير من الأحيان تقوم المجموعة بتفريغ الإحتقانات و الخلافات الداخلية لديها من خلال توجيه الخلافات و الأنظار للخروقات التي يقوم بها الأشخاص الذين لا يلتزمون بالقواعد المتفق عليها. وجود مثل هؤلاء الأشخاص يجعلهم كبش فداء للكثير من مشاكل المجموعة ويعمق شعور القوة والنفوذ للجهة التي تعد نفسها الحامية لقواعد ونواظم المجموعة.

العديد من الكيانات والتنظيمات المختلفة التي عايشتها كانت تسعى دائما لطرد مثل هؤلاء من المجموعة عند أول فرصة. و الحقيقة وبما أن مفهوم الإلتزام نسبي فإنه بعد أن يتحقق لها مرادها تبحث عن غيرهم من الأفراد الأقل إلتزاما بعادات وقواعد المجموعة و تحولهم لمنبوذين جدد وتسعى لطردهم لدى أقرب فرصة أخرى. أو أن الطاقات التي كانت تصرف على الخلافات مع المنبوذين المطرودين سيتم تحويلها إلى تجاذب للنفوذ حول صلاحيات فرض القواعد و النواظم مع الأطراف الأقل إنسجاما مع المجموعة التي سعت لطرد المنبوذين الأوائل وبالتالي سيؤدي إخراج المنبوذين إلى إضعاف المجموعة وإشتغالها بالصراعات الداخلية. في فرق العمل التي تعتمد هذه السلوكيات يسود الخوف والإنغلاق و ا تتمتع بقابلية النمو والتطور.

تجدر الإشارة أنه في بعض الأحيان يتحول بعض أفراد المجموعة لمنبوذين ليس لأنهم خرقوا العادات والتقاليد والقواعد ولكن لأنهم مختلفون فقط: كأن يكون من منطقة مختلفة عن باقي المجموعة أو يتكلم بلهجة مختلفة أو ينتمي لطائفة أخرى أو شريحة إجتماعية مختلفة وبالتالي سيتم التعامل معه على أنه الآخر المختلف في المجموعة وسيكون من الصعب عليه جدا أن يخرج من هذا الدور. وعادة ما تظهر هذه السلوكيات في المجموعات المنغلقة على أنفسها وغير القادرة على إستيعاب المختلف عنها.

في مجموعات العمل المنفتحة والتي إكتسبت القدرة على التعامل مع الآخر المختلف يتم التحاور معه والنظر له على أنه عامل إغناء لأنه يستطيع النظر من خارج الصندوق ويملك نظرة مختلفة قد تضيء للآخرين زوايا مظلمة لم يكونوا قادرين على رؤيتها. وفي نفس الوقت وجود هذا النوع من الأشخاص يشكل ضمانة وحماية للفريق من التحجر والإنغلاق نتيجة سيادة النظرة الموحدة المنسجمة تجاه أغلب القضايا لدى أعضاء الفريق وفي نفس الوقت يعطي الفريق فرصة مستمرة بمراجعة القواعد و النظم وحتى مراجعة الأهداف والبديهيات المتفق عليها للفريق بما يسمح له بالتطور المستمر ومواكبة العصر وعدم الإبتعاد عن الواقع.

1-3 توزع الأدوار والمسؤوليات:

في كل علاقة مستقرة تنشأ بين إثنين يكون هناك تصور من كل طرف ماذا سيقدم له الطرف الآخر. بناء على هذه التصورات والتوقعات ينشأ توزيع أدوار تلقائي يرتضيه كلا الطرفين مثل علاقة الأستاذ والطالب, أو الموظف ومديره في العمل, الجندي ورئيسه, الزوج والزوجة.

بعض هذه الأدوار نختاره بأنفسنا والبعض الآخر قد يفرض علينا. وهذا الأخير يخضع عادة للتصنيفات الإجتماعية و لعرف والثقافة السارية في المجتمع. فإذا كنت ملتحي و تصلي قد يتم تصنيفك في فريق العمل كإسلامي وينتظر منك أن تتصرف وفق هذا التصنيف أما إذا كان أسمك الحركي جيفارا فسيتم تصنيفك أنك يساري وينتظر منك أيضا أن تتصرف وفق هذا التصنيف. وهذا ما يمكن تسميته بالتصنيف الأولي. و أحيانا تتحول هذه الأدوار لقالب لصاحبها أو سجن له يصعب عليه الخروج منه. من خلال العمل و الممارسة يأخذ كل شخص دور له في الفريق ومكانة معينة يفرضها عادة إما من خلال عمله أو من خلال تراتبية معينة تحكم العلاقات في فريق العمل.

تعارض الأدوار:

خلال عمل الفريق يتطور أداء أعضاء الفريق وتتطور شخصياتهم. وهو تطور تأتي به التجربة، حيث أن العلاقة بين التجربة وبين أفرادها هي علاقة نمو متبادل، فالتجربة تنمو بأفرادها والعكس صحيح، ونتيجة لهذا التطور قد تصبح بعض الأدوار غير ملائمة لبعض الأفراد. ففلان مثلا كان دوره دائما هو الهتاف في المظاهرات والآن يرى بنفسه الكفاءة والقدرة على تنظيم المظاهرات. وآخر كان دوره فقط رفع الأخبار إلى القنوات الإعلامية ويرغب اليوم بالظهور على الشاشات كمتحدث إعلامي وآخر كان عضو أمانة عامة ويرغب أن يكون اليوم في المكتب التنفيذي. هذا التطور الذي يشعل الطموح للتغيير لدى الإنسان قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تضارب المصالح نتيجة لتعارض الأدوار.

بعد نشوء المجموعات و بدأها في العمل يكون كل عضو قد أخذ مكانه وأي تبديل في الأدوار سينجم عنه تعارض وتضارب يستوجب الحل وإلا فإنه سيؤدي إلى التنافس الهدام. ففلان يريد أن يكون الناطق باسم المجموعة بعد أن كان مراسل لها مع العلم أنه لدى المجموعة ناطق باسمها. في هذا الحال قد يبدأ كل طرف ببناء تحالفات لإستقطاب الآخرين لطرفه من أجل تحقيق مصالحه أو الحفاظ عليها مما يؤدي إلى حدوث إضطراب في العلاقات في المجموعة. و سيؤدي ذلك  لتشكيل مجموعات متناحرة داخل مجموعة العمل و تقسيم وتصنيف أعضاء المجموعة إلى مع و ضد و حيادي.

 في حال إزدادت هذه التناقضات داخل مجموعة العمل عن حد معين فإنها ستؤدي بها إلى الشلل و وقفها عن العمل المنتج وتحولها إلى خلية مضطربة تعج بالخلافات والأحقاد وإذا طال بها الأمد دون أن تتمكن من حل هذه الإضطرابات أو تنظيمها فإنها ستؤدي إلى إنفراط عقدها.

أضف إلى ذلك، إن معظم الأعمال في بيئة الثورة هي أعمال تطوعية وإتفاقاتها أدبية لا تتمتع بطريقة قانونية أو رسمية لتثبيتها ولا يوجد دائما بالضرورة جهة قانونية للتحكيم والفصل في الخلافات قبل إستفحالها، مما يؤدي في غالب الأحيان إلى تفاقم الإختلافات الصغيرة بالشكل الذي قد يخرجها عن السيطرة.

ومن حيث النتيجة فإن الكثير من الأفراد أو المجموعات الذين لم يجدوا لأنفسهم الدور المقنع الذي يرغبون به ضمن مجموعة العمل التي يعملون بها وفي نفس الوقت ليس لديهم رغبة بالدخول في حالات صراع وتنافس هدام مع الآخرين غادروا مجموعاتهم و أسسوا مجموعات عمل جديدة تتيح لهم الأدوار التي كانوا يطمحون لها في مجموعتهم الأولى. وفي ظل ظروف الثورة التي لم يتبلور فيها العمل المؤسساتي بشكل واضح تكاثرت لدينا المجموعات والتنظيمات بشكل هائل وتقلصت أحجامها لتتألف من أفراد معدودين في أغلب الأحيان.

فقط المجموعات المنفتحة القادرة على التعامل مع الآخر ومواجهة التحديات بشجاعة من خلال الحديث الصريح عن العلاقات والإشكالات فيها بما يمكنها من تحقيق قدر أدنى من التفاهم و مرونة نسبية في تبديل الأنماط و الأدوار و الأهداف هي المجموعات القادرة على النمو والتطور بشكل سليم وصحي.

2 العمل المؤسساتي كأداة للتطور والارتقاء:

الانتقال بالعمل الثوري إلى النمط المؤسسي هو انتقال تفرضه ضرورة استيعاب تطور أفراد المجموعة الذي جاءت الإشارة له فيما تقدم، وهو تطور يترافق عادة مع إكتسابهم لمهارات جديدة من خلال الخبرة التي إكتسبوها في عملهم يدفعهم للبحث عن دور جديد لهم في المجموعة. تغيير الأدوار هذا يتحول عادة إلى تضارب مصالح قد يؤدي إلى شلل المجموعة أو إنهيارها وهذا ما عانت منه أغلب المجموعات و الكيانات الثورية في الواقع السوري.

من هنا يصبح توافر آليات العمل المؤسسي شرطاً لازماً لاستمرار أي عمل جماعي تشاركي، حيث تقوم هذه الآليات بخلق المناخ الإداري السليم و الذي يضع توصيفاً واضحاً للأدوار و المسؤوليات و تعريفاً لحدودها و هوامش تداخلها و طبيعة الأطر الناطمة للعلاقات التي تصل بين أفراد المجموعة و معايير الانتقال من دور لآخر بشكل يحافظ على سلامة الاصطفاف الداخلي برغم الحركة الدؤوبة الملازمة لنمو التجربة. 

وعليه فأن العمل المؤسساتي يقوم بما يلي:

  • تحويل القواعد والنواظم المتفق عليها إلى نظام داخلي مكتوب
  • تحويل الأدوار وطريقة توزيعها إلى هيكلية واضحة و مكتوبة وتشرح طريقة توزيع الأدوار أو تدويرها وتترك هامش للتطور والتغيير.
  • تحويل الأهداف والقيم التي كانت أساس تشكل فريق العمل إلى أهداف و إستراتيجيات ينجم عنها برنامج عمل يستوعب الجميع ويعمل على تحقيق الغاية من مجموعة العمل.
  • كما ويقوم كذلك بتحديد الأطر القانونية والتنظيمية للفصل في الخلافات والقضايا الإشكالية وبهذا فالمؤسسة قامت بتأطير و تنظيم طريقة تبادل الأدوار في المجموعة بشكل قانوني يوظف تطور الأفراد وإزدياد خبرتهم في خدمة تطور المؤسسة بدل أن يؤدي تطور الأفراد من خلال عملهم إلى تهديم المؤسسة التي يعملون بها. كما تساهم المؤسسة في إبطاء ديناميكية التغيير في الفريق بالشكل الذي يسمح له بالعمل المستقر و الثابت وتساهم أيضا في توحيد الفهم المشترك الجماعي لأهداف المجموعة ولموضوع عملها. وفي حال أمكن تسجيل المجموعة في أي دولة مجاورة فهذا سيخلق لها حالة من الإستقرار والمرجعية القانونية والقضائية التي ستساهم في تعميق إستقرار المؤسسة والحد من نسبة الفساد فيها.

Critical

3 العوائق التي حالت دون تحول كيانات الثورة للمؤسسات:

لم تستطيع أغلب الكيانات الثورية السورية التحول إلى مؤسسات قادرة على مراكمة الخبرات و إدارة الطاقات بالشكل الذي يضمن تجاوز العقبات و ضمان سلامة سير أعمال المؤسسة.

ولعل توافر عنصر الاستقرار يعتبر شرط أساسي للعمل المؤسسي بينما الواقع أن هذا العنصر هو من أكثر الأمور ندرةً في المشهد السوري سيما في بداية الأحداث الجارية. فيما يلي شرح لأهم الأسباب التي نعتقد أنها حالت دون هذا التحول المطلوب:

3-1 صعوبة التواصل: أسباب تقنية وأسباب ثقافية

لا شك أن مسالك الاتصال بين النشطاء عانت من تحديدات واقعية غاية في القسوة، ليست تقف عند الرقابة الاستخباراتية التي تهدد الأمن الشخصي للناشط، و لا في تردي البنى التحتية لتكنلوجيا الاتصال الحديثة، إنما في جملة من الأسباب الموضوعية يمكن تصنيفها ضمن أسباب تقنية و أخرى ثقافية على النحو التالي:

الأسباب التقنية:

 كما هو معروف فإن الضغط الأمني والتنكيل الشديد بالمعتقلين فرض شروط صعبة للتواصل بين العاملين في الثورة و خاصة في داخل سوريا، ما دفع بهذا التواصل ليكون قائماً على مايلي:

جميع الظروف المذكورة أعلاه جعلت من التواصل بين الناشطين منقوص وغير قادر على نقل كامل الصورة بالشكل الكافي لبناء الثقة المستقرة ورسم الحدود السليمة في التعامل بين الأفراد. حيث تقتصر الرسالة هنا على الكلمات و تغيب لغة الجسد التي يتيحها أي لقاء بين شخصين من حركات اليدين  و الوجه وبالتالي غياب الإنطباع البصري والذاكرة المكانية وغير ذلك من عناصر الاتصال  التي تساهم في رسم حدود واضحة لكل شخص في تصرفاته بالشكل الذي يؤسس لعلاقة سليمة بين الطرفين. كما أن محتوى أي رسالة يتم إيصالها لأي طرف آخر يتم تفسيرها دائما حسب نوع العلاقة بينهما وطبيعتها، ولكن طبيعة الظروف السابقة لا تساعد على تأسيس علاقات صحية ومستمرة. فنفس العبارة يمكن فهمها على أنها مديح أو إستهزاء أو إستفزاز، والمحدد الذي يعطي التفسير الصحيح هو طبيعة و نوع العلاقة القائمة بين المتحدثين.

 كما أن بيئة التواصل عبر  السكايب تسهل التواصل مع عدة أشخاص في وقت قصير أو حتى في وقت واحد مما يسرع من ديناميكية بناء التحالفات والمؤامرات ويسرع كذلك إمكانية فرط عقدها بالشكل الذي يحرم أي عمل جماعي من الإستقرار.

 يمكن القول أنه لا يمكن بناء مؤسسة كاملة  مستقرة من خلال الإتصال فقط عبر الإنترنت لفقدان أغلب الأسباب الضرورية للتواصل الصحيح واللازم لتمتين أواصر العلاقات فيها وتثبيت أسسها.

 أسباب ثقافية :

لا شك أن غياب الأطر التي تنظم العمل الجماعي خلال الأربعين السنة الماضية حرمت أجيال عديدة من إكتساب مهارات التواصل و التعامل التي يحتاجها الإنسان العامل ضمن فريق. فالعمل الجماعي يحتاج إلى منظومة من المهارات مثل: القدرة على الإستماع والقدرة على التفاوض, القدرة على التفهم وتجاوز الإشكالات وبناء التحالفات وتقديم الأهم على المهم وغيرها مما تزخر به مراجع علم بناء المؤسسات.

فالمراقب لمعظم الأعمال الجماعية في زمن الثورة يجدها إما عائلية أو فئوية أو طائفية أو مناطقية بالشكل الذي يجعل الفريق دائما صغيرا ومحدودا بعدد قليل من الأفراد المنسجمين مع بعضهم و مرد ذلك عدم قدرتهم على التعامل مع أفكار مختلفة والخروج عن ما هو مألوف بالنسبة لهم. بدأت الكثير من الكيانات والأعمال كبيرة وجمعت الكثير من التوجهات والرؤى ولكنها مع مرور الوقت إما إنتهت لمجموعة فئوية قامت بإخراج كل من لا يتفق مع فكرها خارج الفريق أو تحولت إلى مجموعة مختلطة غير منسجمة وفاقدة لموضوع العمل الجماعي الذي أسس له الفريق وبالتالي تكون غير منتجة وغير فاعلة. أغلب هذه التجمعات تحولت لتجمعات وظيفية إستفادت من الأسم العريض الذي إستطاعت تحقيقه في بداية العمل الجماعي وأنتهى بها المطاف بعدة أشخاص يستخدمون هذا الأسم لتحقيق أهداف سياسية حزبية أو فئوية أو مصالح شخصية.

يمكن تصنيف  سلوك مجموعات العمل المنغلقة في التعامل مع الإختلاف و التعارض الناجم عن الأفكار الخارجة عن أطر المألوف لديها بأحد الأشكال التالية: 

  • كبح الإختلاف والتعارض: ويكون ذلك عن طريق التواصل و التعامل بشكل سطحي بين أفراد المجموعة بحيث لا يتم السماح بالوصول للمستوى الذي يمكن أن ينجم عنه إختلاف و تعارض. و لكن هذا الأسلوب لا يسمح أيضا بإنجاز أعمال ضخمة أو معقدة. و قد يصلح لفريق عمل مؤقت تم إنشاءه لفترة معينة من أجل إنجاز مهمة معينة ثم يذهب أفراده كل بحاله.
  • الإقصاء والعزل: التعامل بإقصاء مع من لا نتفق مع آراءه و ذلك بعدم دعوته للتشارك في العمل في المجموعة أو الحرص على إستبعاده دون الآخرين مما يحول المجموعة إلى لون و إتجاه واحد مع مرور الوقت و بالتالي تحويلها إلى مجموعة فئوية. و في حال كان الإقصاء متعرض لمجموعة أشخاص داخل المجموعة فإن ذلك سيخلق حالة توتر قد تنتهي بالإنقسام و تأسيس مجموعة جديدة من رحم الأولى.
  • اتوظيف القوانين التنظيمية لقمع الرأي المخالف: و ذلك يتم عادة من خلال التصويت على موضوع الخلاف و حسمه عن طريق ديكتاتورية الأغلبية بدل نقاشه و تقليبه و محاولة البحث عن حلول. هذه الطريقة تترك أيضا جروح غير مندملة و تؤدي لنشوء توتر و تخلق عداءات بين أفراد الفريق.
  • بناء التحالفات: يحاول البعض كسب الآخرين لطرفهم من خلال إقناعهم و بناء تحالفات معهم و بالتالي تحويل المعارضة لأقلية و هذا الأمر كان متوفر بسهولة في بيئة الثورة عن طريق إستخدام شبكات التواصل الإجتماعي الذي أتاح فرصة التحدث مع عدة أشخاص في وقت واحد في نفس الوقت الذي يتم به عرض  الفكرة للنقاش أو التصويت.

3-2 مفهوم التمثيل والقيادة في ظروف الثورة:

عند ظهور تنسيقيات الثورة في الأحياء و القرى التي أنطلقت فيها المظاهرات تم تقديمها على أنها قيادة للثورة في مناطقها و الإنطلاق على أنها تمثل الثورة في المناطق التي ظهرت بها. ثم إعتمدت بعد ذلك  معظم الكيانات الثورية في بنائها على تمثيل مناطق أو تمثيل التنسيقيات التي تمثل بدورها مناطق تواجدها. و لكن طريقة التمثيل المتبعة لا يمكن أن تصنع قيادة و إنما تصنع نخبة.  أعضاء البرلمان في كل العالم هم نخبة من المجتمع تقود المجتمع و تضع التشريعات له بقوة القانون و ليس بقوة التمثيل أو بقوة الفكر. لا يمكن صناعة قيادة بهذا الأسلوب في ظروف الثورة لأسباب عديدة: أهمها ضبابية مفهوم التمثيل و غياب القوة التنفيذية التي تصنع من النخبة قيادة.

كما أن ظهور التنسيقيات وظهور هذه الكيانات و التنظيمات قام بمبادرة من أصحابها الذين وجدوا ضرورة لها من أجل تنظيم عملهم, ولم يكن بتفويض أو بدعوة من سكان أي منطقة من المناطق وبالتالي لا يمكن لأي جهة أن تدعي حق التمثيل الحصري لمنطقة ما وتطالب الآخرين بالإنضواء تحت جناحها. وبالتالي فإن إدعاء حصرية التمثيل هو إقصاء للآخر ينتهي غالبا بعزل صاحبه وتحويله عمله إلى نادي مغلق .

التمثيل الحصري يكون فقط عن طريق التمثيل الصحيح عبر الإنتخاب الصحيح و هذا غير متوفر في بيئة الثورة إلا في بعض المناطق المحررة لا في جميعها. وبالتالي لا يمكن حصر تمثيل الثوار في أي مكان بجهة واحدة تدعي شرعية التمثيل.

كما أن القيادة الحقيقية تكون بالفكر الصحيح و الجامع. يمكن لفكرة صحيحة يحملها شخص أن تمثل السوريون كلهم و لكن لا يمكن لشخص أن يمثل منطقة أو مجموعة أشخاص فضلاً عن قيادتها في ظل غياب الآليات الصحيحة لتحقيق ذلك.

و بالتالي فإن الجهود الكثيرة و الكبيرة التي سعت لجمع عدة كيانات تحت جهة واحدة من أجل توحيد الجهود أو توحيد الثوار والموقف السياسي للثورة باءت بالفشل الذريع وذلك لإغفالها موضوع عدم صحة مفهوم التمثيل و القيادة وآلية و توزيع الأدوار وديناميكية تغييرها، وتوازن المصالح والمنافع الفردية التي أدت إلى تكاثر وتوالد هذه الكيانات بدل من توحيدها و ذلك للأسباب والتي سبق وأشرنا لها في فقرة تعارض الأدوار أعلاه.

3-3  ضعف الخبرات وفقدان النخب والكفاءات:

عندما إنطلقت الإنتفاضة الشعبية في المدن والقرى السورية خرج المئات من الشباب الغاضبين والثائرين بغرض التمرد على واقعهم يحملون مطالب التغيير التي تحقق لهم مستقبل أفضل. كان أغلب المتظاهرين الذين أشعلوا فتيل الثورة من الشريحة العمرية ما بين ١٦ إلى ٣٥ سنة كحد أقصى. أما الشرائح العمرية الأعلى فكانت مشاركتها في الثورة أضعف ولعل مرد ذلك لما رسب في ذاكرتهم من أحداث حماة وأخواتها في الثمانينات, كما أن روح المغامرة وحب التغيير تضعف لدى الإنسان مع تقدم العمر.

كان الجيل الأول من المتظاهرين يضم كوكبة من المثقفين و أصحاب الشهادات الجامعية والفكر المتنور الذين خرجوا في الثورة ولديهم تصور لما يريدون أن يصلوا إليه وهو أوسع من مجرد إسقاط النظام. لم يطل المقام بهؤلاء حيث أنه لم تمضي الأشهر الستة الأولى من الثورة حتى أستشهد أغلبهم أو أعتقل أو أضطر لمغادرة سوريا تحت وطأة الملاحقة الشديدة. فقد أدرك النظام الحاكم منذ الأيام الأولى للثورة أهمية هذه الشريحة فكانت مستهدفة بشدة دون غيرها من باقي شرائح الثورة لأنها تمثل البوصلة الصحيحة لتوجيه الثورة وإخراجها من دوائر ردة الفعل ووضعها في مكان الفعل الصحيح. فالكثير ممن دخلوا المعتقل في الشهور الأولى للثورة من حملة الشهادات الجامعية أو أصحاب النشاطات الفكرية  لم يخرجوا إلى اليوم. بعد سنة من الثورة لم يتبقى منهم في الداخل إلا النذر اليسير و في نفس الوقت إستقطبت الثورة شرائح كثيرة وأعداد غفيرة من المشاركين في الثورة الذين لم يمتلكوا قبلها أي تجربة إدارية أو حزبية، كما أن تجربتهم في الحياة لا زالت في أولها بحكم أعمارهم اليافعة مما حرمهم من إمتلاك ملكات إدارية كانت ضرورية من أجل قيادة الكيانات الثورية التي عملوا من خلالها.

إن أي عمل جماعي يحتاج مشروع مؤسس بطريقة سليمة وعلى فكر صحيح ويحتاج كذلك لقيادة ناجحة قادرة على إدارة هذا المشروع و التعامل مع الأطراف المختلفة من شركاء ومنافسين و أعداء من أجل إنجاح مشروعها و هو ما لم يتوفر في أغلب الأحيان للكثير من الهياكل الثورية السورية.

3-4 التمويل والتدخل الخارجي:

هناك الكثير من الدول التي تمتلك في سوريا مصالح ولديها أجندات تسعى لتحقيقها. ونظرا لصعوبة التدخل المباشر في الواقع السوري فإن الكثير من هذه الأطراف سعت للمراهنة على أحد الأطراف في الداخل السوري ومده بالدعم المالي والمادي للإعتماد عله في تحقيق مصالحها, مما أدى إلى تدخل خارجي موجه في منظومة تطور العمل والبناء في داخل مجموعات العمل السورية مما أخل بالأعمال القائمة والتي كانت تتطور بشكل مقبول وأدى لتفتيتها من خلال خلق خلل إداري وتنظيمي. حيث أعطى دخول المال السياسي القادم عن طريق أفراد للداخل السوري سلطة وقوة لهؤلاء قد لا يكونوا مؤهلين لها بالضرورة. وبالتالي فإن دخول الدعم المالي عن طريق أفراد من دون وجود خطة عمل واضحة لطريقة التعامل مع هذا الدعم يكون له في أغلب الأحيان أثر سلبي في بنية و هيكلية المؤسسات و مجموعات العمل وفي أغلب الأحيان ينتهي بها إلى التشظي لأنه يعمل على إعادة تموضع نقاط القوة والقرار في داخل العمل الجماعي ويثير التنافس الهدام حول الموارد المحدودة.

4 نتائج وإستخلاصات

تميزت الثورة السورية بعدة ظواهر لم تظهر في أياً من النزاعات المشابهة في العالم:

  • الدفق الهائل للمعلومات و الأخبار والتوثيقات لعمليات القتل والإنتهاكات والمظاهرات رغم التضييق الامني الشديد ووحشية النظام في التعامل مع المعارضين وصعوبة التواصل في الداخل السوري و صعوبة الإتصال مع الخارج، فأعداد الفيديوهات التي توثق لأحداث الثورة تقدر بالملايين وأعداد الجهات الإعلامية العاملة على نقل الصورة والمعلومة تقدر بالمئات وكذلك هناك العشرات من الجمعيات التي توثق لضحايا النظام.
  • التطور السريع والملفت للنظر في الحركة الشعبية التي نظمت صفوفها في فترة الحراك السلمي من خلال التسيقيات و التنظيمات الأكبر ثم خلق شبكة وبنية تحتية للعمل العسكري بشكل سريع فاق كل التوقعات رغم التضييق الداخلي والخارجي على الناشطين وعلى تدفق المساعدات بكافة أشكالها.
  • رغم محاولة الكثير من دول العالم خنق الثورة السورية والعمل المسلح من خلال تجفيف الموارد ومنع الأسلحة النوعية من النفاذ إلى التنظيمات الثورية المسلحة إلا أن هذه التنظيمات استطاعت خلال فترة قصيرة جدا خلق صناعة عسكرية محلية وفرت لها الحد الأدنى الكافي للإستمرار والكافي لإقتحام مخازن النظام والحصول على حاجاتها من خلاله.
  • رغم فقدان البيئة الصحيحة للتمثيل والإنتخاب و التنظيم السليم والشرعي فإنه من الملاحظ أن المدن والمناطق المحررة إستطاعت ضمن الظروف المتاحة لها إدارة مناطقها بشكل مرضي نسبيا مقارنة بالإمكانات المتوفرة داخليا والخبرات المكتسبة وهو مالم تستطع دول أخرى تحقيقه في ظروف مشابهة خلال سنوات طويلة.
  • يتميز الشعب السوري بنسبة مرتفعة من أصحاب الشهادات والتعليم العالي وكذلك بنسبة مرتفعة من الحضر سكان المدن مقارنة بباقي دول المنطقة وبالتالي فإن فرص التطور الشخصي للأفراد مرتفعة بالشكل الكافي الذي يؤهلهم لإبداع الإنجازات المذكورة أعلاه على صعيد العمل الثوري و العسكري و الذي ترك أثره في الثورة السورية وميزها عن مناطق النزاع الأخرى في العالم. ولكن كما شاهدنا أعلاه فإن التطور الفردي في غياب المؤسسات الراسخة والقائمة على أسس صحيحة وسليمة و التي لم تعرفها سوريا منذ خمسين عام يؤدي إلى التنافس الهدام وتشظي الأعمال الجماعية وتدميرها بدل تطورها والإرتقاء بها.

سوريا تتمتع ببنية علمية وبيئة ثقافية وبنية تحتية من الخبرات والكفاءات مشابه إلى حد ما لما هو متوفر في تركيا ولكنها تفتقد المؤسسات الراسخة الموجودة هناك. وفي حال إستطاع الشعب السوري إيجاد هذه المؤسسات سيتمكن من إستقطاب الطاقات ومراكمة الخبرات وبناء الدولة ومنافسة الأمم في فترات قياسية وهذا التحدي يحتاج شعباً نصفه من الزعماء والنصف الآخر من الأنبياء ولكن مع الأطر الصحيحة التي تنسق وتنظم الجهود والطاقات.

 

تم نشر هذه الدراسة في آذار ٢٠١٣ على العديد من المواقع الإلكترونية


تحت الرابط التالي مداخلة على قناة أورينت في برنامج حواري حول أسباب فشل الأعمال الجماعية في بيئة الثورة السورية

https://www.youtube.com/watch?v=h95r2nhVLDo

 

البحث

Powered by MIB 2014