ورقة تحليل سياسي:الإئتلاف اليوم بعد عام من تأسيسه

أين يقف وإلى أين يتجه

Koalition4

في ١١ نوفمبر ٢٠١٢ قامت العديد من أطياف المعارضة في إجتماعٍ لها في الدوحة بالتوقيع بالأحرف الأولى إتفاقا لإنشاء الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية وسط الضغوط الدولية والعربية.

بدى المشهد مخالفاً لكل ماسبق من مشاهد الحضور السياسي للثورة السورية إذ يتصدره حضور خطيب مسجد بني أمية الشهير ليكون رئيساً للمولود السياسي الجديد، الأمر الذي ساهم في انتزاع الثقة مجدداً من جمهور الثورة بالمعارضة السياسية. قبل هذا التاريخ كان الإئتلاف يعرف بمبادرة رياض سيف نسبة لصاحب المبادرة, والتي تلقت دعم من عدة دول إقليمية ودولية ثم تم إنضاجها لتصبح وثيقة من ١٢ بند تم التوقيع عليها في التاريخ المذكور أعلاه.

 

 

تفاوتت الآمال والتوقعات من التجمع الجديد الناشئ حيث وصفه البعض في حينها على أنه إنجاز كبير, كما عده رئيس الوزراء السوري السابق المنشق رياض حجاب في تصريح لوكالة "فرانس برس" ان الاتفاق يعد "خطوة متقدمة باتجاه اسقاط النظام". بعد مرور عام كيف ينظر السوريون للإئتلاف اليوم؟ ماهي المعايير الممكنة التي يمكن أن نقيم أو نحاكم إنجازات الإئتلاف من خلالها؟ أين يقف الإئتلاف اليوم وماهي الخطوة القادمة؟ تسعى هذه الورقة للإجابة عن هذه الأسئلة.

أزمة القيادة ومعايير الكفاءة والسلطة وشرعية التمثيل

تسعى العديد من أنظمة الحكم لتحقيق نوعا من التشاركية السياسية في إدارة الدولة من خلال عملية الإنتخابات التي ينتج عنها ممثلين عن الشعب. تلجأ بعض الديمقراطيات لعملية الإنتخاب المباشر للعديد من المناصب الهامة في الدولة ويلجأ البعض الآخر لإنتخاب ممثلين إلى مؤسسات تعمل على إدارة الدولة وتزويدها بالكفاءات اللازمة. تهدف هذه العملية بغض النظر عن آليات تنفيذها لإضفاء الشرعية الشعبية على الإدارة الحاكمة. حتى الدول الدكتاتورية غالبا ما تسعى لتنظيم إنتخابات صورية من أجل الإدعاء بالحصول على شرعية الحكم. رغم الإختلافات الكبيرة في تعريف مفهوم الشرعية إلا أنها في هذا السياق (تمثيل الشعب) لا تتأتى إلا من خلال عملية التمثيل السياسي السليم عبر أداته الصحيحة وهي الإنتخابات النزيهة والشاملة وفق آليات سليمة تم التوافق عليها من خلال دستور تم إقراره في مرحلة سابقة.

  • لا يخفى أن تمثيل الإئتلاف للمعارضة والثورة قائم على شرعية الأمر الواقع, حيث لم تسمح الظروف بإجراء إنتخابات حقيقية تعبر عن إرادة الشعب السوري من خلال صناديق الإقتراع. مما يجعل المقياس الوحيد لإستحقاق شرعية التمثيل هو الإنجاز والكفاءة في خدمة أهداف الثورة من جهة, وكذلك خدمة الشعب السوري في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وبالتالي فإن غياب أي إنجاز واضح في هذين المضمارين سيترك الباب مفتوحا للطعن بشرعية وكفاءة الإئتلاف من أي جهة وفي أي وقت, مما يقودنا لمفهومي السلطة والكفاءة. 
  • ولكن حتى الحكومة المنتخبة بشكل صحيح وتتمتع بقدر من الشرعية الإنتخابية والشعبية قد لا تتوفر على السلطة لإدارة الدولة كما حصل مع حركة حماس بعد فوزها في الإنتخابات التشريعية عام ٢٠٠٦ حيث أنها لم تستطع الوصول للسلطة حقيقة لأسباب عديدة, و بالتالي لم تتمكن من تنفيذ برنامجها إلا في الجزء الخاضع لسلطتها بشكل فعلي من أراضي السلطة الفلسطينية و هو قطاع غزة. في الحالة السورية لا يوجد حتى اليوم أي مؤشرات لإمتلاك إئتلاف قوى المعارضة السورية والحكومة المزمع تشكيلها لسلطة تنفيذية لأي إتفاق يجري إبرامه مع أطراف داخلية أو خارجية في الأراضي الخارجة عن سلطة النظام فضلا عن غيرها, و كذلك لا يوجد مؤشرات تدل على أن هذه الحكومة تملك الأدوات اللازمة لفرض برنامجها على أي جزء من الأراضي السورية. فقدان السلطة هو ما أشارت إليه الإدارة الأميركية على لسان فْــرِد هوف في تعليله رفض الحكومة الأمريكية الإعتراف بالحكومة السورية المؤقته التي شكلها الإئتلاف في جوابه على سؤال لأحد الصحفيين: " أن هذه الحكومة لن يكون باستطاعتها الالتزام بضبط معايير الملاحة الجوية المدنية بحسب ما يتطلبه القانون الدولي "
  • ربما تمتلك الحكومة تمثيل الشعب من خلال إنتخابات صحيحة وتمتلك كذلك السلطة على المناطق التي تمثلها ولكنها بحاجة لإمتلاك الكفاءة والقدرة والإمكانيات لإدارة تلك المناطق وتقديم الخدمات الحكومية التي تحتاجها والتي هي وظيفتها الأساسية والأولى في عين الناخب ومعيار الشرعية وشرط السلطة بالنسبة له. فرغم فوز إخوان مصر بالإنتخابات إلا أن ضعف إمكانيات حكومتهم وقدرتها على تأدية الخدمات التي ينتظرها المواطن (بغض النظر عن الأسباب) أدى لإرتفاع نسب المتذمرين والمنقلبين على شرعية إنتخابهم.
  • إن ضعف الكفاءة في الأداء وكذلك ضعف الإمكانات لا يمكن فصله عن غياب برنامج سياسي تنموي واضح يستند إلى رؤيا واقعية تعتمد على الإمكانيات الإقتصادية والعسكرية والسياسية المتاحة وتعمل على رفع فاعليتها وزيادة مردودها من خلال التنسيق والإدارة الفعالة. إفتقر الإئتلاف لهيئة تخطيط ومكتب للإستراتيجيات يعمل بفعالية على معالجة الإشكاليات المستجدة في الحالة السورية وإبتكار الحلول لها. كافة إجتماعات الهيئة العامة كانت لمناقشة مواضيع تنظيمية داخلية مثل إنتخابات الهيئة السياسية وإختيار السفراء والتصويت على القرارت.
  • Koalition Logoإستطاع الإئتلاف بعد عام من ولادته تقديم بعض الخدمات في مجال تنظيم التعليم والحصول على الإعتراف بالشهادات الدراسية في بعض المدارس في المناطق المحررة وفي دول اللجوء. قام كذلك بتقديم بعض المساعدات لبعض المناطق المنكوبة من خلال مكاتبه وأجهزته المختلفة, إلا أن إمكانياته كانت أضعف بكثير من حجم الكارثة السورية.

لم يستطع الإئتلاف تحقيق تقدم ملموس في ملف تنمية المناطق المحررة وإدارتها, حيث تعاني محافظة الرقة على سبيل المثال لا الحصر حتى اليوم من الفوضى الشديدة وإنقطاع الخدمات بعد خروجها عن سيطرة النظام, وهذا حال معظم المناطق المحررة.

على الصعيد العسكري عانت الأركان بقيادة اللواء سليم إدريس أيضا من ضعف القبول لدى العديد من الجهات العاملة في الداخل, ولم تستطع أن تقطع خطوات تذكر في إتجاه العمل على توحيد أجندة مئات الكتائب المقاتلة تحت رايات مختلفة  من خلال التنسيق الفعال بينها.

إن وجود خطة واضحة لإدارة وتنمية المناطق الخارجة عن سيطرة النظام, ووجود خطة واضحة وواقعية لكيفية التنسيق بين الكتائب المسلحة المختلفة كانت شرطا ضروريا لتحقيق أي إنجاز إستراتيجي يحسب للإئتلاف.

تختلف الأسباب التي أدت إلى النتائج التي حالت دون تحقيق الإئتلاف الوطني السوري لما كان منتظر منه. ولكن تجدر الإشارة بشدة إلا أنه عند ولادة الإئتلاف أفتقدت المعارضة لعملية التقييم لأداءها في المرحلة الماضية. حيث لم يكن هناك أي بحث أو وقفة محاسبة أومراجعة للوقوف على أسباب عدم نجاح المجلس الوطني في أداء مهامه وعدم قدرته على تحقيق التوقعات المطلوبة منه من أجل تجنبها لدى الإئتلاف. إن غياب تقييم أداء المجلس الوطني وتجربته التي أستمرت حوالي ١٤ شهرا, لم يحرم الإئتلاف الوطني السوري من الإستفادة والتعلم من أخطاء الكيان الذي سبقه فحسب, بل أدى أيضا لحالة من عدم الوضوح في الرؤيا والهوية لدى أعضاءه, حيث لم تكن أسباب تشكيله واضحة لدى الكثيرين منهم, وخاصة بعد توسعة وإعادة هيكلة الكيان الذي سبقه قبل تشكيله بثلاثة أيام فقط.

- الخلاصة التحليلية

❏       لم تسمح ظروف الحالة السورية بإجراء إنتخابات حقيقية تعبر عن إرادة الشعب السوري مما جعل المقياس الوحيد لإستحقاق شرعية التمثيل للإئتلاف هو الإنجاز والكفاءة في خدمة أهداف الثورة من جهة, وكذلك خدمة الشعب السوري في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. المراقب الخارجي لأداء الإئتلاف يلحظ عدم إمتلاك الائتلاف لأي برنامج معارض في أي من المجالات الحيوية الثلاثة المطلوبة في الحالة السورية: السياسي, العسكري والإغاثي.

❏       ففي المجال السياسي كان برنامج الإئتلاف هو حث الدول الغربية على التدخل لحماية الشعب السوري وفق بند حماية المدنيين. لم ينجح الإئتلاف في إقناع هذه الدول بإن مصالحها تقتضي التدخل لإنقاذ الشعب السوري, حيث أن النظام السوري كان أنجح من الإئتلاف في البناء على المصالح المشتركة واللعب على ميزان الربح والخسارة وإستخدام العلاقات العامة في خدمة أهدافه. كان ذلك واضحا بشكل جلي خلال الفترة التي قررت الإدراة الأمريكية فيها التدخل العسكري ثم تراجعت عن ذلك بسبب نجاح جهود النظام وحلفاءه في ثنيها عن هذه الخطوة.

❏       في المجال الإغاثي لم تستطع أجهزة الإئتلاف المختلفة تغطية حجم العوز الإغاثي الهائل في الداخل السوري لفداحة الكارثة, إلا أنه أيضا لم يستطع التخفيف من معاناة النازحين في مصر واللبنان والأردن من خلال الجهود الديبلوماسية ومن خلال التعاون مع الأمم المتحدة أو من خلال تنظيم وتنسيق الجهود الأهلية في الدول المجاورة لسوريا إلا في حالات فردية. حيث لا يزال الكثيرين من المشردين السوريين يعانون من التضييق الأمني وجور الدول بالإضافة لمعاناة النزوح والفقر.

❏       في المجال العسكري لم تمتلك الأركان خطة عملية وواقعية للربط والتنسيق بين الكتائب المختلفة على الأرض, مما جعل منها طرف من الأطراف بدل تحولها إلى مظلة جامعة.

إلى أين يتجه الإئتلاف اليوم بعد عام من تأسيسه؟

يمكن التمييز هنا بين شريحتين من أصحاب المصلحة: الداخل السوري من أنصار الثورة والمعارضة, حيث يفترض أن الإئتلاف يقوم بتمثيلهم. والمجتمع الدولي ممثلا بالدول المؤثرة والفاعلة في الشأن السوري.

١ شريحة المعارضة وأنصار الثورة في الداخل السوري

بنى العديد من أنصار الثورة وناشطيها آمال كبيرة على الإئتلاف وكانوا ينتظرون منه القدرة على تسويق عدالة قضية الثورة السورية في الخارج بهدف زيادة قاعدة الداعمين لها وبالتالي الحصول على دعم سياسي وعسكري وإغاثي يساعد في تسريع إسقاط النظام والإنتقال إلى مرحلة بناء الدولة. للأسباب المذكورة في الفقرة أعلاه لم يستطع الإئتلاف السوري تحقيق تلك الآمال مما أدى إلى ظهور حالة من الإحباط وفقدان الثقة من الداخل السوري المناصر للثورة عموما تجاه الإئتلاف. ثم جاء بعد ذلك قضية العدول الأمريكي عن التدخل العسكري في سوريا ثم النقاش الدائر حول المشاركة في مؤتمر جينيف, مما أدى إلى تعميق الخلافات داخل مكونات الإئتلاف نفسه وكذلك بينه وبين الداخل السوري. في ٢٤ أيلول ٢٠١٣ تفاجأ العديد من السوريون ببيان صادر عن العديد من الكتائب, تعرب من خلاله عن أحقيتها في تمثيل الثورة والمعارضة وتدعوا باقي القوى المؤثرة على الأرض للإنضمام لها, كما أعلنت عن رؤيتها لتشكيل إطار تنظيمي يقوم على المبادئ الإسلامية. بعد ذلك بيومين تبعها بيان قرأه النقيب عمار الواوي متحدثا باسم حوالي خمسين تجمع ثوري عسكري ومدني يضمون صوتهم للببيان الأول الصادر عن الكتائب الإسلامية. ثم تبعهم الإعلان عن تشكيل جيش الإسلام الذي أعلن بعض قادته عدم إعترافهم بالإئتلاف وربطوا تعاونهم بالأركان بحدود قدرتها على دعمهم.

  • هناك خشية حقيقية لدى العديد من الكتائب المسلحة أن يسفر إجتماع جينيف ٢ عن حل سياسي ينتج حكومة مشتركة مؤلفة من الإئتلاف والنظام القائم. في حال حدوث ذلك فإن الطريق سيكون مفتوحاً من وجهة نظرهم للعمل على حل سياسي بالشكل الذي لا يتماشى مع رؤيتهم للثورة ولا يحقق الإنتصار المنشود. وقد يؤدي هذا الأمر في نهاية المطاف إلى توجه الحكومة المشتركة لمحاربة هذه الكتائب والسعي لنزع سلاحها. العديد من فصائل الجيش الحر يشارك الكتائب الإسلامية هذه التخوفات, وخاصة في غياب أي تعريف مضبوط للتشدد والإرهاب, وفي ظل غياب مفهوم مشترك لمعنى إسقاط النظام. مما أدى من حيث النتيجة إلى عدم الإعتراف بالإئتلاف كممثل عن المعارضة والسعي لإنشاء بديل عنه في الداخل السوري.
  • كما عملت بعض الإتفاقات الأخيرة التي أبرمها الإئتلاف (وخاصة الإتفاق مع الأحزاب الكردية) على تغذية الشعور بضعف الإئتلاف تجاه الخارج عموماً وإضطراره للقبول بحلول قد لا تتفق مع رؤية جزء كبير من الثوار في الداخل, مما ساهم في تبرير سحب الشرعية من الإئتلاف. في ١٣ أوكتوبر ٢٠١٣ صرح عضو المكتب السياسي في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية "كمال اللبواني" في لقاءه مع "CNN العربية" إن هناك تحركاً جدياً لإسقاط الائتلاف عقب إعلان المجلس الوطني السوري رسمياً عدم مشاركته في مؤتمر جنيف الثاني، وأضاف أن هناك تنسيق مع قائد "جيش الإسلام" زهران علوش واتصالات تجري بين بعض القوى المقاتلة في سورية بالتنسيق مع أطراف من المعارضة في الخارج، لإعلان "مجلس عسكري سياسي مركزي في سوريا بقيادة إسلامية" حسب وصفه، على أن تتوزع قيادة المجلس في كل من المنطقة الجنوبية وفي حلب وفي المنطقة الشرقية، إضافة إلى المنطقة الوسطى.
  • لا يمكن إغفال الإتهامات المتزايدة لبعض أعضاء المعارضة بالفساد وصرف أموال الإعانات الموجهة للشعب السوري على التنقلات والفنادق وإستخدام العلاقات العامة لخدمة المصالح الحزبية والشخصية. تواتر وتكرار هذه الإتهامات في ظل غياب إنجازات ملموسة تخفف معانات الإنسان السوري في الداخل خلق حالة من القناعة بعدم أهلية الائتلاف لتمثيل المعارضة والثورة. وتأتي استقالة الشيخ معاذ الخطيب من رئاسة الائتلاف في 24آذار تنديداً بالتآمر الدولي _في إشارة منه لاستلاب إرادة الائتلاف السياسية لصالح الدول الإقليمية والداعمة لتعزز هذه القناعة.

في حال قامت الكتائب والتجمعات الثورية بمتابعة بياناتها بإتخاذ خطوات تؤدي عمليا إلى إسقاط الإئتلاف فإن النتيجة قد تكون نقل زمام المبادرة والتمثيل تجاه العالم الخارجي للكتائب العابرة للمناطق والفاعلة على مساحة سوريا. قد يشكل الأمر في البداية تحدي لأصدقاء سوريا, إلا أن أغلب هذه الكتائب لها إرتباطات وعلاقات جيدة مع الدول الداعمة للثورة وعلى رأسها تركيا, قطر والسعودية, والتي ستسعى بدورها لبلورة قيادة مشتركة مؤهلة وقادرة على التفاوض. ستسعى الولايات المتحدة لخلق آلية تفاوض بين هذه المكونات وبين النظام بهدف الوصول لحل سياسي ينتج مجلس عسكري يحكم الفترة القادمة وصولا لأول إنتخابات حرة. على المدى البعيد فإن إستمرار الأزمة سيؤدي بالضرورة لخلق واجهات سياسية داخلية بديلة أو منافسة للإئتلاف, في حال لم يستطع الإئتلاف تطوير بنيته لإستيعاب الداخل السوري وتمثيله بشكل أفضل.

٢ المجتمع الدولي ممثلا بالدول المؤثرة والفاعلة في الحالة السورية

من الناحية الدولية فإن الدول الغربية عموما أدركت في مرحلة مبكرة أن البنية التنظيمية للإئتلاف وطبيعة مكوناته تجعل منه نخبة قد تمتلك القدرة على التنظير ولكنها تفتقد أدوات التأثير وصناعة الحدث, فضلا عن القدرة على صناعة سياسات تؤهله لقيادة الثورة. ولكن رغم ذلك فإن الحاجة لوجود شريك على المستوى السياسي في المعارضة السورية دفع الدول الغربية و أصدقاء سوريا للمحافظة على الإئتلاف كمكون يمكن له أن يسبغ الشرعية الشكلية باسم المعارضة السورية على أي إتفاق يتم الوصول له، الأمر الذي سهل عملية الاعتراف الدولي بالائتلاف كممثل شرعي وحيد للمعارضة السورية إنما مجرد اعتراف لم تتبعه مستلزماته الإجرائية والتمثيل الدبلوماسي.  في نفس الوقت فإن الدول الغربية سعت للتعامل مع الحالة السورية من خلال التواصل مع المعارضة من خلال عدة مستويات أخرى, حيث جرى ويجري التواصل مع القيادات السياسية من الصف الثاني التي يمكن أن تشكل بدائل في حال حدوث أي تغييرات في الإئتلاف, أو التي يمكن أن تأسس لكيانات سياسية في المرحلة الحالية أو في المستقبل.

كما يجري العمل والتنسيق من خلال المنظمات الغربية تحت غطاء دعم العمل المدني والإغاثي مع قيادات الناشطين المدنيين والمجتمع الأهلي, حيث يشكل هؤلاء الشريحة المرشحة لإستكمال مشوار التغيير على المدى البعيد وبالتالي يتم النظر لهم على أنهم الطاقة الكامنة التي ستنتج القيادات في المستقبل.

كما أن التواصل مع قادة العديد من الكتائب و التنظيمات العسكرية لم ينقطع من قبل ولادة الإئتلاف, حيث تتحكم هذه التنظيمات والقائمين عليها بجزء مهم من صناعة الحدث اليومي في الواقع السوري. وبالتالي يمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أن الإئتلاف الوطني للثورة والمعارضة بشكله الحالي اليوم لا يقدم إلا قيمة مضافة محدودة للدول الغربية وبالتالي فإن قدرة الإئتلاف على التأثير أو التعاون مع هذه الدول تتناسب طرا مع هذه القيمة المضافة.

يتوجب الإشارة إلى أن موقف الدول الغربية المؤثرة وعلى رأسها الولايات المتحدة إقترب كثيرا من موقف روسيا حليفة النظام بعد التفاهم على تسليم السلاح الكيماوي. حيث ترى روسيا الإئتلاف هو جزء من المعارضة في أحسن الأحوال, بينما المعارضة الحقيقة ممثلة في هيئة التنسيق. مما دعا الإدارة الأميركية لدعوة الإئتلاف لتشكيل وفد يمثل المعارضة بشكل أفضل للمشاركة في جينيف. وتبين أن المقصود بذلك فيما بعد هو ضم ممثلين عن المجلس الوطني الكردي وممثلين عن هيئة التنسيق للوفد المفاوض في جينيف ٢.

في حال أستمر الإئتلاف على ضعفه بدون أي مبادرة إصلاحية حقيقية تعالج جوهر الخلل الذي أوصله إلى حاله اليوم, فإننا سنشاهد خلال العام القادم ظهور العديد من الكيانات في الداخل  التي تدعي تمثيل المعارضة أو الشعب السوري أو تمثيل جزء منه. ربما يحصل جزء من هذه الكيانات على دعم أو إعتراف دولي أو ربما لا يحصلون على ذلك. لكن من المؤكد أن العالم سيسعى للتواصل والتنسيق معهم في حال تأكد من قدرتهم وفاعليتهم في أماكن تواجدهم, مما سيساهم في زيادة عزلة الإئتلاف وإضعاف دوره.

- الخلاصة التحليلية

❏       يقف الإئتلاف اليوم في وضع صعب للغاية حيث أن جمهوره في الداخل قام بسحب الثقة منه وبدأ بالإعلان عن كيانات بديلة تهدف لتمثيل الثورة. في حال أستمر الوضع على ماهو عليه فسيتحول الإئتلاف إلى نادي للمعارضين في الخارج, لا يمتلك القدرة على تمثيل الثورة والمعارضة في الداخل السوري, وستنحسر وظيفته في تسويغ وإسباغ الشرعية على ما يعقد معه من إتفاقات باسم الشعب السوري.

❏        كما سنشاهد ظهور المزيد من الكيانات في الداخل التي تدعي تمثيل المعارضة أو الشعب السوري أو تمثيل جزء منه. والتي ستكون في حالة تنافس مع الإئتلاف ويمكن من خلال التعامل معها تشكيل ضغط إضافي دولي على الإئتلاف.

❏       يعاني الإئتلاف أيضا من صعوبات داخلية بنيوية ناجمة عن سوء تصميمه الإداري والتي تجعل منه كيان معطل بدل أن يكون منتجا. كما أن إفتقاد الإئتلاف للخطة والرؤيا والبرنامج التنفيذي العملي ساهم في تكريس وضع العطالة التي سبقه بها المجلس الوطني فيما مضى. وبالتالي لا يتم التعامل بشكل جدي وندي مع الإئتلاف من طرف المجتمع الدولي حيث تدرك الدول الفاعلة والمؤثرة في الحالة السورية إمكانيات وقدرات الإئتلاف ومحدودية أوراق الضغط التي يمتلكها.

 Koalition3

توصيات عملية

المتابع لتصرفات وتصريحات قيادات المعارضة السورية يجد أن المشروع الوحيد للمعارضة كان ولايزال هو التعويل على التدخل الخارجي، حيث لا يوجد أي خطة بديلة لإسقاط النظام أو للإنتصار للثورة لدى المعارضة سوى الإستعانة بالمجتمع الدولي ممثلاً بالغرب الذي وضعوا كل بيضهم في سلته. خلال أكثر من عام بعد مؤتمر القاهرة فقدت المعارضة السورية في الخارج ممثلة بالإئتلاف والمجلس الوطني أغلب نقاط قوتها بدل أن تعمل على تدعيمها، كما فقدت سندها الشعبي، حيث أن الداخل السوري لم يعد يرى فيها الكفاءة والأهلية لتمثيل الثورة والمعارضة.

وبالتالي لا يوجد وصفة سحرية لأزمة المعارضة السورية اليوم وإنما يتوجب عليها ممثلة بالإئتلاف السعي لإمتلاك عناصر القوة والضغط من خلال  العمل الممنهج ويمكن تعداد مايلي على سبيل المثال لا الحصر:

  • وضع الخطط والرؤى الكفيلة بإسقاط النظام بالإعتماد على القوى الذاتية والموارد المتوفرة من أجل التحرر من التبعية والإرتهان للإرادات الخارجية، وبالتالي السعي للإنجاز المتواضع والبطيء اعتماداً على ماتوفر من موارد بدل سياسة الإنتظار والتعويل على الخارج. وهذا لا يعني أبدا إستعداء الآخرين وإنما الإستعانة بهم من خلال التعاون والبناء على المصالح المشتركة، فمن يرغب بالتفاوض عليه إيجاد البدائل وكذلك إيجاد مساحات المصالح المشتركة للتعاون مع الآخرين. وهذا بدوره يتطلب الإستعانة بكفاءات إدارية وإستراتيجية قادرة على إستكشاف البدائل وصياغة الحلول وصناعة التوافقات وإدارة المشاريع.
  • زيادة العمق الشعبي للمعارضة الخارجية من خلال التواصل الفعال والمستمر مع الكتائب الكبرى والفعاليات المدنية والمجالس المحلية الحقيقية، ومن خلال إشراك مكونات الداخل في مشروع تحرير حقيقي يعمل على إسقاط النظام وبناء الدولة. فالإئتلاف يشكل اليوم نخبة فاقدة التأثير على من يدعي تمثيلهم من ثوار ومعارضة مسلحة في الداخل. الجدير بالذكر أن بشار الأسد قد صرح بإن الغرب يدعم معارضة لا وجود لها على الأرض وإن الذين يقاتلون في الميدان لا علاقة لهم بمؤتمر جنيف2. وبالتالي لا يمكن اليوم أخذ المعارضة في الخارج ممثلة بالإئتلاف على محمل الجد والتعامل مع مخاوفها وطلباتها بشكل جدي من طرف الأصدقاء وكذلك الأعداء قبل إصلاح هذا الخلل الجوهري في تركيبتها. الجدير بالذكر أن عملية التوسعة الأخيرة التي كان يفترض فيها تحسين تركيبة الإئتلاف لم تؤدي إلا إلى تعميق الشق بينه وبين الداخل لأسباب عديدة لا يتسع المقام لذكرها هنا. إن أي عملية إصلاح للإئتلاف عليها الإبتعاد عن مفهوم المحاصصة وتقاسم الكعكة والتركيز على تعميق البعد الشعبي وزيادة الفاعلية والتأثير.
  • السعي لكسب المعركة الإعلامية من خلال العمل الممنهج والإستعانة بشركات العلاقات العامة وبكل ما يخدم توضيح عدالة قضيتنا. فالعدول الأمريكي عن توجيه ضربة عسكرية للنظام في دمشق أثبت تفوق الأخير الكبير في القدرة على الحشد الإعلامي وإستخدام القنوات الديبلوماسية للتسويق لمصالحه. على الرغم من حجم المجازر الغير مسبوق في العصر الحديث إلا أن أغلبية الشعوب الغربية ترفض التدخل الفعال في الأزمة السورية, مما يشير لفشل المعارضة في كسب الرأي العام الغربي, الأمر الذي يحتاج خطة عمل لعلاجه, فمن يخسر الرأي العام الغربي يكون قد خسر أحد أهم أدوات الضغط على الحكومات الغربية.
  • ينبغي أيضا على الداخل السوري العمل المستمر على تنظيم صفوفه وزيادة التنسيق بين مكوناته من أجل التعويض عن ضعف التسليح من خلال رفع الفعالية. وكذلك من أجل العمل على فرز وإنتاج قيادات من رحم الثورة قادرة على إدارة المرحلة. هذا يتطلب بدوره خبرات تراكمية تحتاج المزيد من الوقت، ولكن إستعانة المكونات الكبرى في الداخل بالخبراء الإداريين والكوادر المؤهلة قد يوفر الكثير من الوقت ويسرع عملية مراكمة الخبرات من خلال توجيه مسارها.

الثناء الأمريكي على النظام والإتفاق الروسي الأمريكي الذي سبقه بخصوص السلاح الكيماوي يشير إلى أن المسار الحالي للأحداث يتجه لعقد صفقة سياسية شاملة بين الولايات المتحدة وروسيا والأسد وحلفاءه. مما يعني بالضرورة إخراج الثورة والمعارضة السورية وحلفاءها خاليي الوفاض على المدى البعيد. إن امتلاك مشروع واضح للمعارضة يعتمد على الإمكانيات الذاتية سيؤدي لتسهيل التعاون مع الدول الداعمة للثورة (قطر وتركيا بشكل أساسي) من أجل تشكيل محور مصالح يصعب على الآخرين إبتلاعه أو تجاوزه.

يتوجب على المعارضة اليوم العمل الممنهج المدروس لامتلاك أدوات القوة والتأثير وإلا فإننا سنشهد ولادة كيان جديد على أنقاض الإئتلاف كما حصل على المجلس الوطني, أو أننا سنشهد عدة كيانات متنافسة فيما بينها تدعي جميعها تمثيل المعارضة والثورة والشعب السوري.

بقلم غياث بلال

دراسة تم نشرها على العديد من المواقع الإلكترونية في ٢ أوكتوبر ٢٠١٣