social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • صعود اليمين الشعبوي في ألمانيا

  • رحلة الحج بين الروحانية والعولمة

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الكتائب الإسلامية بين مسالك الاعتدال واتهامات التطرف

JSI4

في ٢٧ أيلول ٢٠١٣ قام تنظيم "دولة العراق والشام الإسلامية" اختصارا "داعش" بحرق بعض محتويات كنيسة سيدة البشارة, وكذلك بعض محتويات كنيسة الشهداء للأرمن الكاثوليك في الرقة بعد إنزال الصليب الذي كان يعلو الأخيرة. سبق هذا التصرف الذي أثار استياء الكثيرين داخل سوريا وخارجها, معارك عنيفة جرت أيضا بين فصائل موصوفة بالتشدد على رأسها "تنظيم دولة العراق والشام" وبين تنظيم "لواء عاصفة الشمال" المحسوب على التنظيمات العسكرية الموصوفة بالعلمانية. ساهمت هذه الأحداث بتسليط الضوء على الاستقطاب الحاصل بين القوى المسلحة في أغلب المناطق المحررة بين إسلامية متشددة وأخرى معتدلة أو علمانية, وفتحت باب النقاش والتساؤلات حول مستقبل هذه التنظيمات, وكذلك شكل سوريا المستقبل في ظل وجود هذه التنظيمات الموصوفة بالتطرف, ومدى تأثير أفعال هذه التنظيمات على صورة الثورة السورية وتعاطف العالم الغربي معها.

تقوم هذه الورقة بمعالجة بعض هذه التساؤلات وتسعى لتقديم رؤيا حول المقاربات العملية الواجبة في التعامل مع الحالة السورية الراهنة.

 

١ مقدمة  وفهرس

٢ تساؤلات مشروعة أم مخاوف مبالغ فيها؟

٣ التنظيمات الإسلامية في الحالة السورية ومآلاتها المنتظرة

- مستقبل تنظيمات السلفية الجهادية في الحالة السورية 

- الخلاصة التحليلية

٤ توصيات و حلول عملية

- خلاصة التوصيات

٥ ملاحظات عامة

 

٢ تساؤلات مشروعة أم مخاوف مبالغ فيها؟

بدأت الثورة السورية في 15 آذار 2011 باحتجاجات شعبية سلمية امتدت على أغلب مساحة الدولة السورية، حيث حافظت على سلميتها لشهور عديدة، على الرغم من مواجهة المتظاهرين بالرصاص الحي وسقوط آلاف الشهداء، وكانت أهم مظاهر التحول المسلح تأسيس المقدم حسين هرموش المنشق عن جيش النظام للواء الضباط الأحرار في 9 حزيران 2011، حيث قام العديد من عناصر الجيش النظامي بالإنشقاق عنه, وهرع الكثيرون من المدنيين لحمل السلاح بهدف الدفاع عن أنفسهم وأعراضهم, أما جبهة النصرة فقد أصدرت بيانها الأول في 24 كانون الثاني  2012 بقيادة الجولاني أي بعد نصف عام تقريبا من انطلاق المقاومة المسلحة بشكل رسمي, حيث أن جبهة النصرة كانت أول فصيل مقاتل في سوريا يتم وصفه بالتطرف, ثم بعد ذلك تم إدراجها على لائحة الإرهاب الأميركية. في 9 نيسان 2013 أعلن البغدادي تأسيس "دولة العراق والشام الإسلامية" وقد أصدرت إثر هذا الإعلان جبهة النصرة بياناً نفت فيه انضمامها للدولة وأكدت مبايعتها للظواهري. معظم أفراد "جبهة النصرة" هم من السوريين بخلاف تنظيم "داعش" الذي يشكل المقاتلون من غير السوريين الجزء الأغلب منه. ويقدر عدد المقاتلين لكلا التنظيمين بأقل من ١٠ آلاف مقاتل. كلا التنظيمين لهما تواجد في أغلب المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

حظيت جبهة النصرة في بداية عملها بسمعة جيدة، بسبب شجاعة مقاتليها وانضباطهم، وعدم تدخلها في شؤون الأهالي إلا ما ندر, وكذلك نتيجة قيامها ببعض الخدمات الإغاثية والاجتماعية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها. أما "دولة العراق والشام الإسلامية" التي انشقت عن جبهة النصرة بعد البيان المذكور أعلاه, فقد عانت من ضغوط إعلامية شديدة بسبب اعتقالها لمعارضيها وسعيها لفرض قوانينها بالقوة في أماكن سيطرتها وخصوصا بعد اغتيالها (أبو بصير) أحد زعماء الكتائب الإسلامية في الشمال. أدت هذه السلوكيات لخسارتها للجزء الأغلب من الحاضنة الشعبية حسب شهادات العديد من الأهالي في الرقة وإدلب.

لا يكمن التحدي الذي تشكله "جبهة النصرة" أو"داعش" والمجموعات التي تحمل فكراً مشابهاً في فهمهم الخاص لكيفية بناء وإنشاء الدولة الإسلامية، وإنما يكمن في المنهج الذي يعتمد على فرض هذا الفهم بقوة السلاح. حيث تعد هذه التنظيمات اللجوء إلى صناديق الاقتراع وإرادة الشعب، واتباع العملية الديمقراطية كفراً واحتكاما لغير شرع الله وبالتالي هي تكفر كل من يتبنى هذا النهج ويدعو إليه.Rosen in Krieg

تفتقر أدبيات هذه التنظيمات لقبول الاختلاف, وتنطلق من اعتقادها بأن تنظيمها يمثل جماعة المسلمين وبالتالي يتوجب على كافة المسلمين الالتحاق بهم والدخول في دولتهم.  مما أدى إلى تخوف قطاعات واسعة من السوريين بغض النظر عن دينهم ونسبة التزامهم بهذا الدين إلى التخوف من تحول سوريا في نهاية المطاف إلى دولة دينية يحكمها لون واحد وفكر واحد بقوة السلاح,  أوالتحول إلى دويلات وإمارات متناحرة البقاء فيها للأقوى ولا مكان فيها إلا للغة العنف والقوة. أضف إلى ذلك عدم وجود فهم مشترك أو رؤيا موحدة – حتى بين من يحملون الفكر ذاته - لطبيعة هذه الدولة ولشرعية هذا الأمير أو ذاك، وصحة هذه البيعة أو تلك، مما يذكرنا بالحرب الأهلية الأفغانية وتمزق الدولة في الصومال. مما سيؤخر بدوره عملية التنمية والبناء في سوريا وقد يستنزف الموارد المحدودة والطاقات في نزاعات داخلية تعيق عملية إعادة البناء وتوقف عملية النهوض الحضاري في المنطقة ككل و ليس في سوريا فحسب.

٣ التنظيمات الإسلامية في الحالة السورية ومآلاتها المنتظرة

تسعى جميع الحركات السياسية التي تتبنى الإسلام كمنهج وكذلك الكتائب الإسلامية المقاتلة في سوريا لإقامة الدولة الإسلامية وتحكيم الشرع الإسلامي. تختلف مقاربة كل تنظيم وكل مجموعة للوصول إلى هذا الهدف باختلاف المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها. كما يختلف تعريفهم لشكل هذه الدولة وفهمهم لموضع الإسلام فيها بشكل كبير أيضا.

  1. بعض هذه التنظيمات تؤمن بالديمقراطية كآلية لتحكيم الأغلبية وبالتالي تتبنى الدعوة الإسلامية في المجتمع كمنهج عملي لتحقيق هذه الأغلبية, حيث تعتمد مقاربة أسلمة المجتمع للوصول إلى الدولة المسلمة من خلال صناديق الاقتراع. تتبنى هذه التنظيمات الديمقراطية كوسيلة لبناء دولة حديثة تستفيد من منجزات الفكر الإنساني والحضارة الحديثة في تكوين مؤسسات الدولة وتعتمد الإسلام كمرجعية في نظام سياسي لدولة ذات مؤسسات بالشكل المتعارف عليه في الدول الحديثة اليوم. وترى في النموذج التركي أو الماليزي مثال يمكن الاستفادة منه و التعلم من تجربته في إدارة الدولة و التعامل مع المتناقضات.

  2. هناك أيضا تنظيمات تؤمن بمقاربة فرض الإسلام على المجتمع بقوة الدولة, حيث تسعى لتحقيق هذه الغاية من خلال ديمقراطية المرة الواحدة والتي تعني الوصول إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع ثم أسلمة الدولة انطلاقا من أعلى الهرم إلى أسفله, حيث يؤمن أتباع هذه المدرسة بضرورة وجود الدولة الإسلامية ووجود الإمام وأخذ البيعة كي يكتمل إيمانهم من خلال حمل الدولة لراية الدعوة لنشر الإسلام, وبالتالي السعي للدولة الإسلامية هو هدف بذاته من أجل نشر الإسلام في المجتمع, بينما أصحاب المدرسة الأولى يعتقدون أن الوصول للدولة الإسلامية هو نتيجة انتشار الإسلام في المجتمع. يترتب على هذا الاختلاف الفلسفي في المنهجية اختلافات عديدة في الممارسات. أشهر الحركات التي تحمل هذا الفكر هو حزب التحرير, بالإضافة للعديد من الحركات الإسلامية في الشمال الأفريقي.

  3. هناك العديد من التنظيمات التي تصرح بأنها ترفض الديمقراطية كمنهج في الحكم حيث أن الإسلام كدين يقدم نموذج مختلف, ولديه مؤسساته الخاصة للحكم. أبرز من يحمل هذا الفكر هم أصحاب الفكر السلفي, وإن كان ليس حكرا عليهم. حيث أن المدرسة السلفية تعتقد بضرورة العودة إلى التجارب الإسلامية السابقة في العهود الذهبية وإعادة إنتاجها بما يناسب العصر الحديث اليوم, وبالتالي فإنها تنحو في أغلب الأحيان لرفض الجديد الذي لا يحمل جذورا تعود به إلى العصور الذهبية. كما أن الاستفادة من التجارب الإسلامية القديمة ومنهجية إعادة إنتاجها, وكذلك منهجية رفض المنتجات الغريبة الوافدة تختلف داخل المدرسة السلفية نفسها, حيث يمكن لنا التمييز بين إتجاهيين رئيسيين:

  • السلفية التقليدية: ويعد التوجه الديني الحكومي في المملكة العربية السعودية الراعي الأول لهذه المدرسة, حيث تحرم الخروج على الحاكم في الأصل وترفض الثورات, مما يفسر تأخر أتباعها عن الإلتحاق بركب الثورة في بداياتها. يمكن التعرف على أقطابها خارج سوريا من خلال مواقفهم مما يحدث في مصر. لم تكن مسائل الحكم والسياسة في صلب إهتمام هذه المدرسة قبل الثورات العربية. يوجد العديد من الكتائب في سوريا التي تتنتمي لهذه المدرسة وتتميز بمرونة كبيرة نسبيا, مقارنة بأتباع المنهج السلفي خارج سوريا, كما أثبتت الكتائب المنتمية لهذه المدرسة قدرة عالية على التكيف وعقد التحالفات وصناعة التوافقات مع باقي التنظيمات الإسلامية. لعل أشهر مثال عليها هو لواء الإسلام. عانى أبناء هذه المدرسة من جور النظام وظلمه بشكل كبير قبل الثورة, كما عانوا كذلك من عداء أغلب المدارس الإسلامية الأخرى في سوريا.

  • السلفية الجهادية: تؤمن هذه المدرسة بالجهاد والحرب على الغرب وعلى الكفر كطريق رئيسي للحصول على "الشوكة" من أجل بناء الدولة المسلمة. يعد تنظيم القاعدة المرجعية الأساسية لهذه المدرسة. تتميز هذه المدرسة ببساطة ووضوح الرسالة, وكذلك ببساطة ووضوح تعريف الإسلام وتعريف الكفر, مما يجعل أفكار هذه المدرسة سهلة الوصول والقبول للأشخاص غير المطلعين بعمق كافي على الدين الإسلامي. يعد تنظيم القاعدة برموزه المعروفة هو الأب الروحي عموما لهذا التوجه. ويعد تنظيم "داعش" هو المثال الأشهر لهذا المنهج في الحالة السورية.
    من الضروري الإشارة إلى الفرق بين السلفية الجهادية وبين التنظيمات الإسلامية التي تتبنى نظرية فرض الإسلام على المجتمع بقوة الدولة والمذكورة في النقطة (٢), حيث يشترك كلاهما بمفهوم ضرورة إيجاد الدولة الإسلامية من أجل إكمال أسلمة المجتمع ونشر الدين الإسلامي. ولكن التنظيمات المشار إليها في النقطة (٢) هي في الأصل حركات سياسية تستخدم أدوات العمل الحزبي والسياسي وتعتمد الإسلام كمرجعية لها وفق الفهم الخاص بها, أما السلفية الجهادية فهي حركات دينية وليست سياسية ولكن طريقة فهمها للنص الإسلامي دفعتها لإقتحام العمل السياسي من خلال سعيها لتشييد نظام حكم محدد.

  • تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد خط واضح فاصل بين السلفية التقليدية و الجهادية مما يجعل المنطقة بينهما رمادية. يوجد العديد من التنظيمات المسلحة في سوريا التي يمكن تصنيفها داخل هذه المنطقة الرمادية. حيث أنها ترفض الديمقراطية كمنهج, ولكنها لا تتبنى التعريف الضيق للإسلام ولا تسعى لتكفير المخالف لها, كما أنها لا تعرف نفسها من خلال عداءها للغرب.

- مستقبل التنظيمات السلفية الجهادية في الحالة السورية

على الرغم من أن التنظيمات السلفية عموما لا تؤمن بالديمقراطية كمنهج حكم, إلا أن أتباع المدرسة التقليدية أبدوا مرونة ملحوظة خلال السنتين الماضيتين من الثورة وأستطاعوا التمتع بمستوى مقبول من البراغماتية التي مكنتهم من بناء التحالفات والتعاون مع العديد من التنظيمات الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية. حتى أن بعض أفراد هذه التنظيمات شارك في تشكيل المجلس الوطني السوري والإئتلاف بعد ذلك. مما يجعل إمكانية التفاهم مع هذه الفصائل بعد سقوط النظام كبيرة ويدفعنا لإستبعاد التخوفات منها على المدى المتوسط والقصير. حيث يمكن إستيعابها في عملية بناء النظام السياسي في سوريا من خلال التفاهمات والاتفاقات ومن خلال بناء التحالفات السياسية. في الحالة المصرية أمكن رصد الفرق الكبير في سلوك المنتمين لهذه المدرسة قبل وبعد الثورة في مصر من خلال تشكيلهم للأحزاب ومشاركتهم بالانتخابات.

يبقى التحدي في الحالة السورية في هذا السياق, في تحديد كيفية التعامل مع الكتائب التي تتبنى السلفية الجهادية كمنهج لها.

الغالبية العظمى من تشكيلات الجيش الحر والكتائب والهيئات الإغاثية والسياسية والمجالس المحلية متهمة بالفساد والمحسوبيات. كما أنها تعاني من غياب كبير لأبسط المقومات الإدارية مما أدى في ظل انحسار سلطة الدولة وغيابها بالكامل لخلق حالة من الفوضى التي تسمح بنمو التنظيمات ذات الأفكار المتشددة والمنحرفة عموما, وكذلك نمو عصابات الجريمة المنظمة وتأصيل العلاقات المافيوية كأسلوب في العمل بين الفرقاء بغض النظر عن التوجه الإيديلوجي.

تعد مناطق الحروب والنزاعات حيث تغيب سلطة الدولة أماكن جذب واستقطاب لأصحاب التوجه السلفي الجهادي, حيث يسهل ممارسة "الجهاد" أي النشاط الأهم لإقامة الدولة الإسلامية حسب رؤيتهم. والجدير بالملاحظة هو تحول الجهاد نفسه إلى هدف يتم السعي له والبحث عنه لدى هذه الجماعات. فوجود هذا النوع من الفكر يرتبط طردا مع:  ١) نسبة غياب الدولة. ٢)انخفاض مستويات التعليم وعدم إستقرار أصحاب الدخول الضعيفة. و٣) كذلك مع انتشار النزاعات المسلحة. وهذا ما يفسر انتشار هذا النوع من التنظيمات في أفغانستان وفي مناطق البلوش في باكستان أو في سيناء حيث تضعف سيطرة الدولة وتنخفض مستويات التعليم, وكذلك في الصومال وفي العديد من الدول الأفريقية. بينما لم يسجل إلا وجود محدود لهذه التنظيمات في فلسطين رغم أنها أرض الجهاد وفق كل المدارس الإسلامية, وكذلك لم يتم تسجيل وجود قوي لهذه التنظيمات في اللبنان رغم الحرب الأهلية التي أستمرت لفترة طويلة. والبيئة السورية يمكن تصنيفها بإنها أقل خصوبة من نظيرتيها اللبنانية والفلسطينية لهذا النوع من التنظيمات. حيث تتمتع سوريا بنسبة مرتفعة من حملة الشهادات الجامعية ومستوى تعليم مقبول بشكل عام. كما أن التركيبة الديمغرافية للشعب السوري تجعل من المسلمين السنة أغلبية كبيرة ولكن ليست مطلقة (حوالي ٧٠ بالمئة). يشكل التيار المحافظ نسبة معتبرة منها, ويشكل حملة الفكر السلفي بشكل عام جزء منهم, أما حملة الفكر السلفي الجهادي فهم يفتقدون في سوريا في ظروف الإستقرار للحامل الثقافي والإجتماعي مما يجعلهم أقلية محدودة. فما يقارب من ٧٢ بالمئة من القوى العاملة في سوريا تعمل في القطاع الخاص وبالأعمال الحرة والتجارية التي يتطلب استمرارها وازدهارها نوعا من الاستقرار. كما أن نموذج التدين في سوريا يعد أكثر مرونة و قدرة على استيعاب التنوع في الاجتهاد الفقهي مقارنة بأغلب الدول العربية الأخرى. يمكن اعتماد انخفاض نسبة أعداد النساء المنقبات في سوريا مقارنة بأعدادهم في اليمن أو في مصر كمؤشر على طريقة الفهم لممارسة الشعائر الدينية على سبيل المثال لا الحصر. فالمقام هنا لا يتسع للتفصيل.

- الخلاصة التحليلية

  • في حال سقوط نظام الأسد بالشكل الذي يسمح بإنهاء الحرب في سوريا أو يؤدي إلى تخفيض مستويات العنف ومساحات انتشاره بشكل ملحوظ وبالشكل الذي يسمح بالعودة لممارسة الحياة المدنية بشكل طبيعي أو شبه طبيعي, فإننا نعتقد أن المجتمع والبيئة في سوريا لا يقدمان المناخ المناسب لنمو هذا النوع من الفكر وانتشار هذا النوع من التنظيمات.

  • بالقدر الذي تتمتع فيه هذه التنظيمات ببساطة ووضوح الرسالة, بالقدر نفسه تفتقر لعمق الفكر وتطور الأدوات التي تمكنها من النمو في المجتمعات المستقرة. حيث يتطلب الاستمرار والنمو في المجتمعات الحضرية المختلطة قدراً كبيراً من التفاهم و التعايش مع الآخر الذي قد لا ينسجم مع رؤيتها للحياة, مما يدفع أفراد هذه التنظيمات إما لاعتماد رؤيا أكثر وسطية واعتدالا لفهم وتطبيق الدين الإسلامي بهدف الإندماج في المجتمع وممارسة حياة طبيعية, أو المغادرة للبحث عن ساحة جهاد جديدة. لا يمكن لهذه التنظيمات تشكيل سلطة مستمرة في حال توقفت الحرب, حيث سيتطلب ذلك ممارسات قمعية شديدة لا يمكن قبولها من المجتمع في أجواء بلد مابعد الثورة.

  • تعاني هذه التنظيمات بشكل مستمر من خلافات بينية وداخلية بسبب التفسير الضيق للعديد من النصوص الشرعية والتي في كثير من الأحيان تضيق على استيعاب الاختلاف بين أصحاب التنظيم أنفسهم. فقد شاهدنا كيف انشقت جبهة النصرة إلى جبهة النصرة و تنظيم داعش. ثم كيف انشق تنظيم المهاجرين عن داعش. وبالتالي ففي حال غياب الأعمال القتالية وظروف الحرب فإن هذه الخلافات ستتزايد بالشكل الذي سيهدد الجماعة بشكل جدي مما يؤدي بها إما للذوبان في غيرها من الجماعات أو على الأغلب للمغادرة والبحث عن ساحات جهاد جديدة.

من حيث النتيجة يمكن الخلوص إلى أن هذه الجماعات حسب تقييم اليوم لا تشكل تهديدا إستراتيجيا حقيقيا على مستقبل سوريا لدى سقوط النظام. قد يكون هناك معارك مع بعض هذه التنظيمات في المستقبل, إلا أنها بشكل عام لا تتمتع بقابلية الحياة على المدى البعيد في الوسط السوري. رغم ذلك فعلى العقلاء والمؤثرين في الحالة السورية اليوم أن يتخذوا العديد من الإجراءات التي ستساهم في عدم تحول هذه التنظيمات إلى خطر إستراتيجي على مستقبل سوريا. وهذا ما سيتم نقاشه في الفقرة القادمة.

يبقى من المهم جدا الإشارة إلى أن طول الحرب في سوريا وامتدادها لسنوات عديدة قد يؤدي إلى تغييرات عميقة في ديموغرافية سوريا وبالتالي قد يغير التركيبة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للشعب السوري بالشكل الذي قد يختلف جذريا عن ما كان عليه في مرحلة ما قبل الثورة وبالتالي ستختلف المعايير والأسس التي يقوم عليها التحليل في هذه الورقة.

٤ توصيات و حلول عملية

فيما يلي سنستعرض العديد من الاقتراحات والتوصيات التي يمكن لها أن تساهم في إضعاف الفكر المتشدد عموما وتؤسس لبيئة عمل أكثر صحية في سوريا:

  • تسليط الضوء على الممارسات السلبية من خلال ضبط المصطلحات والفرز الممنهج: عانت العديد من الجماعات الإسلامية و الدول العربية من الاستخدام غير المضبوط لتوصيف الإرهاب والتشدد من طرف الدول الغربية مما حدا بالنظام السوري فيما مضى للمطالبة بوضع تعريف لمعنى الإرهاب و التشدد. الحالة السورية اليوم هي أحوج ما تكون لضبط هذا التعريف, بالشكل الذي يساعد على عملية فرز حقيقية مبنية على معايير واضحة وعلى الوقائع العملية. العديد من الكتائب الإسلامية الموصوفة بالاعتدال وكذلك العديد من تشكيلات الجيش الحر غير المؤدلجة تخشى من وصمها بالإرهاب أو التشدد في مراحل لاحقة في حال تبدلت الموازيين السياسية الدولية والإقليمية. كما أن وجود هذا الفرز سيشكل مظلة حماية ولو نسبيا للكتائب تحول دون التدخل الأجنبي الانتقائي للانتقام من فصائل بعينها من خلال إطلاق صفة الإرهاب عليها في حال تبدلت الموازيين السياسية في مرحلة لاحقة.

يبقى التحدي في هذه المسألة في تحديد الجهة المخولة التي يمكن لها البحث في تعريف التشدد ووضع معايير له. وفي الجهة التي ستستخدم هذه المعايير لإصدار نشرات دورية تحدد فيها وفق هذه المعايير ووفق الأدلة من هي التنظيمات المتهمة بالتشدد والإرهاب. هذه النشرة لن تكون حكرا على التنظيمات السلفية الجهادية, بل يجب أن تشمل الممارسات المنحرفة بغض النظر عن إيديلوجيتها. إن أي خطوة من هذا النوع ستخلق حالة من الاصطفاف المجتمعي في وجه التشدد والإرهاب بغض النظر عن مصدره أو إيديلوجيته. كما أنها ستضع حدا للتعميمات المخلة المستخدمة بشكل عشوائي في الإعلام. كما أنها سشكل عقبات أمام إطلاق الاتهامات بالإرهاب والتشدد بهدف المزاودات أو المنافسة الحزبية والسياسية.

يمكن للائتلاف بالتعاون مع رابطة علماء الشام أو بالتعاون مع رابطة علماء العالم الإسلامي أو غيرهم تشكيل لجنة تعمل على وضع هذه المعايير. في حال نجاح التجربة يمكن تطويرها بإشراف الأمم المتحدة وتعميمها لتغطي مناطق النزاعات خارج سوريا أيضا.

  • العمل على تغيير البيئة الحاضنة للتطرف: إن أي خطوة تعمل على خفض مستويات الفوضى ورفع مستوى الاستقرار في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام هي خطوة في اتجاه تطبيع البيئة وبالتالي إضعاف فرص نمو وحياة الفكر المتشدد المتعيش على حالة الصراع والحرب. المناطق المحررة والخارجة عن سيطرة النظام تحتاج إلى سلطة عليا تعمل على تنظيم المرجعيات القانونية والقضائية وإعادة إرساء قواعد الحكم المحلي بشكل سليم. إن ضعف الائتلاف الحالي أعاق أي عملية بناء أو تنظيم حقيقية في هذه المناطق وبالتالي ساهم في خلق البيئة الحاضنة للتطرف. على الائتلاف المعارض معالجة أسباب ضعفه من خلال بناء تحالفات مع العاملين في الداخل والسعي لتنظيم الحياة في المناطق المحررة تدرييجا.

  • المكافحة السلبية: العمل على محاصرة الفكر الحامل للتطرف: يمكن للفعاليات المدنية والمنظمات العاملة بالداخل بالتعاون مع علماء الدين الإسلامي المعروفين بالوسطية العمل المنظم والمنهجي على نشر الوعي بالإسلام الوسطي كدين هداية وعدل وليس دين جباية وقتل. يتوجب كذلك إطلاق برنامج توعوي يضم عدة مشاريع تساهم في رفع الوعي بمعنى الأنظمة السياسية الحديثة, ومعنى الإسلام السياسي, ويمكن الاستفادة من التجربة التركية في هذا السياق. ربما الائتلاف من خلال وحدة الدعم والتنسيق هو الجهة الأقدر على رعاية هذا النوع من المشاريع. كذلك فإن الهيئات الإسلامية في العالم العربي يمكن لها أن تساهم في تنفيذ هذا النوع من الأعمال كنوع من الدعوة والتسويق لرؤيتها في الوسطية. يمكن لأي جهة ترى في نفسها القدرة على تقديم مساهمة في هذا السياق أن تأخذ بالمبادرة. يمكن في هذا السياق أيضا حث العلماء والمفكرين الإسلاميين على تطوير صيغة إسلامية للنظام السياسي للحكم بما يستفيد من منجزات الحداثة السياسية وكذلك من التقدم الهائل هلى صعيد الإدارة للمجتمعات البشرية والمؤسسات العاملة في الشأن العام. إن وجود نظام سياسي ينسجم مع الفكر الإسلامي من شأنه سحب ذرائع التطرف وإضعاف فكره.

  • المكافحة الإيجابية اللاعنفية من خلال الاحتواء: قد يكون هناك ضرورة في بعض الأحيان للعمل على استيعاب التنظيمات المتطرفة من خلال الاتفاقات والعهود معها. فالاتفاقات والعهود لا تكون بالضرورة بين الأصدقاء أو الأشقاء وإنما أيضا بين الفرقاء والمختلفين بهدف تخفيض الضرر والحد من آثاره. للقيام بخطوات من هذا النوع يتوجب توفر رؤيا واضحة لدى القيادة السياسية (في حال وجودها) لكيفية التعامل مع الحالة في كل منطقة واستعراض الإمكانيات المتاحة. الاحتواء من خلال التفاهمات هو أحد هذه الأدوات التي يمكن اللجوء لها في حال أقتضت المصلحة العامة ذلك. كما أن التعامل بإيجابية وشرف مع هذه التنظيمات قد يعمل على كسب أنصارها, حيث أن الهيكليات الإدارية لهذه التنظيمات هلامية وغير ثابتة, مما يجعلها عرضة للتغيرات بشكل مستمر. يجب الإشارة إلى البيان ٢ الصادر بتاريخ ٣ أوكتوبر عن مجموعة من الكتائب الإسلامية لفض النزاع واحتواء الأزمة الناشبة بين لواء عاصفة الشمال وتنظيم داعش, حيث أنه أثبتت التجربة إمكانية تطويق الأزمات واحتواء التنظيمات ذات الفكر المتشدد من خلال الحوار والتفاهمات والاتفاقات. يجب تحليل هذه التجربة والتعامل معها بإيجابية حيث يمكن تكرارها وتطبيقها في الحالات المعقدة بطرق مختلفة.

  • هناك الكثير من الاتهامات لهذه التنظيمات بأنها صنيعة النظام وعميلة له, ولكن المنطق السليم يرفض هذه الاتهامات إذ أنه لا يمكن للعملاء والجواسيس إحتمال معشار المخاطر والمشاق التي يخوضونها, وإن كان هذا لا يمنع من إمكانية الاختراق من النظام وحلفاءه من جهة, وكذلك من عصابات الجريمة وأصحاب السوابق في عمليات الجريمة المنظمة, حيث أتخذ بعضهم طريق التدين للوصول إلى سلطة وهمية من خلال التنظيمات العسكرية, مما يفسر الكثير من حوادث الخطف والاعتداءات التي لا تمت للدين بصلة. في جميع الأحوال يبقى الخلاف مع هذه التنظيمات في جوهره الأساسي خلاف فكري سياسي حول شكل الدولة و النظام السياسي وأسلوب الحكم, بغض النظر عن واقعية أو صوابية تصورات هذه التنظيمات. إن إستخدام العمل العسكري ضد هذه التنظيمات سينقل الخلافات الفكرية والسياسية إلى خلافات عسكرية وإلى حرب وجودية, وسيؤدي إلى إكساب هذه التنظيمات ومؤيديها الكثير من التعاطف من باقي التيارات الإسلامية مما قد يجعلها محور استقطاب للشباب المتعاطف ويعاظم الأزمة, خاصة أن الحرب مع النظام لم تنتهي بعد.

- خلاصة التوصيات:FSA3

أفضل الوسائل للتعامل مع الفكر المتشدد والتنظيمات المتطرفة هو العمل على تقوية المجتمع المدني والأهلي من خلال دعم الاستقرار وتشكيل مرجعيات مدنية قضائية وحقوقية, وكذلك العمل على ضبط المصطلحات من خلال لجنة مختصة, ثم العمل على ضبط توصيف الكتائب طبقا للمعايير الموضوعة. الخلاف مع هذه التنظيمات هو خلاف فكري سياسي في جوهره وهذا يتطلب العمل على مكافحة ظاهرة التطرف من خلال العمل التوعوي الفكري والسياسي من جهة, والحوار والتفاوض من جهة أخرى. إن العمل العسكري ضد هذه التنظيمات سيؤدي إلى مفاقمة الأزمات والإنشغال عن الحرب الوجودية مع النظام بحرب داخلية تستنزف الطاقات والجهود ولاتخدم المصلحة السورية.

٥ ملاحظات عامة

يبقى من المهم الإشارة إلى أمرين:

  • العديد من المقاتلين في سوريا بغض النظر عن إيديلوجياتهم  لجأ إلى حمل السلاح بهدف الدفاع عن نفسه وعن عرضه وعن أهله. لم يكن قرارا نابعاً عن رغبة بالتحول للعمل العسكري بقدر ما كان استجابة لاملاءات الضرورة نتيجة انعدام البدائل. إن طول فترة الصراع تؤثر بدورها على المقاتلين الذين كانوا في الأصل مدنيين وفقدوا أعمالهم خلال فترة الأزمة. سيعاني الكثير منهم من أزمة هوية بعد توقف العمليات القتالية حيث سيكون من الصعب إعادة إدماجهم في المجتمعات الأهلية, مما سيتطلب بدوره إعادة تأهيلهم لتمكينهم من ممارسة نشاطاتهم وأعمالهم التي كانوا قد أتقنوها قبل الثورة مرة أخرى. إن هذا التحدي لا يقل بخطورته عن تحدي الفكر المتشدد, حيث أنه يطال أغلب المقاتلين في سوريا. هناك ضرورة للبدء بمشروع بحثي يدرس الحالة ويقترح توصيات عملية تعمل على معالجة هذه الحالة, حيث أن الإجراءات العملية قد تبدأ منذ الآن من خلال برامج التوعية والتدوير الوظيفي.

  • جميع ما تم ذكره من توصيات وإجراءات في هذه الورقة لمعالجة إشكالية التطرف, وكذلك من أجل معالجة إشكاليات أخرى في الواقع السوري يحتاج وجود قيادة واعية تمتلك رؤيا لحل النزاع وإستراتيجيات عمل للتعاطي مع التحديات الكبيرة وكذلك العابرة على المستوى السوري. رغم ضعف الائتلاف وعدم قدرته على ممارسة دور القيادة المفقودة, إلا أنه كان من الممكن له أن يعمل على إيجاد فريق من الخبراء للتخطيط الإستراتيجي الذي يفترض منه أن يضع رؤى عامة لضبط المصطلحات والمفاهيم وتعريف المحددات السياسية في التعاطي مع الإشكاليات الراسخة والطارئة في الحالة السورية بهدف خلق رؤى وفهم مشترك للتحديات والمفاهيم. ثم بالاستناد لهذه المحددات يمكن وضع برامج تنفيذية عملية تناسب الواقع والحالة السورية لمعالجة ما يظهر من إشكاليات على جميع المستويات. إن غياب هذا الجهد من شأنه المساهمة في إغراق المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في فوضى شديدة تفسح المجال أمام ظهور كل الإشكاليات والمصائب المرافقة لغياب السلطة. وبالتالي سيبقى أي حديث عن دور فاعل للمعارضة السياسية في الخارج يتجاوز ردود الأفعال واستجداء التدخل فارغ من أي مضمون. مما سيعمل من حيث النتيجة على تثبيت رواية النظام بعدم وجود بديل عنه قادر على إدارة الدولة وتنظيم المجتمع.

 

تم نشره على العديد من المواقع الإلكترونية في أوكتوبر من عام ٢٠١٣

 

البحث

Powered by MIB 2014