social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

  • رهانات العولمة في طريق مسدود

  • تأسيس ونشوء الأحزاب السياسية في الواقع السوري الراهن

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

حول قانون الاندماج في ألمانيا وأزمة اللاجئين

 

توصلت الاحزاب الالمانية الرئيسية خلال شهر نيسان الماضي لاتفاق يقضي باصدارا قانون جديد يسعى لتنظيم وتسريع ادماج الوافدين الجدد إليها وأسمته قانون الاندماج. يعد هذا القانون الذي سيتم تمريره في البرلمان في نهاية شهر أيار من هذا العام، الاول من نوعه في تاريخ ألمانيا الاتحادية.

 

فالالمان عموما لم يكونوا يعدون بلدهم كدولة مستقبلة للمهاجرين ككندا وأمريكا أو حتى كبريطانيا وفرنسا. ورغم احتفال المانيا فيما مضى في خمسينيات القرن الماضي بدخول العامل التركي رقم مليون إليها، إلا أنها اسمتهم العمال الضيوف. أي أنهم جاؤوا كي يساهموا في إعادة إعمار ألمانيا بعد الدمار الذي لحقها خلال الحرب العالمية الثانية لقاء عائد مادي متفق عليه، ثم عليهم المغادرة والعودة إلى أوطانهم بعد ذلك، وهو الامر الذي لم يحدث على نطاق واسع، مما أدى إلى العديد من الآثار التي لم تتوقعها الحكومات الالمانية آنذاك، مثل ظهور المجتمعات الموازية والاجيال الجديدة التي لا تتقن اللغة الالمانية.

ولعل تجربة التعامل الحكومي مع العمال الاتراك فيما مضى هي احد الاسباب التي دفعت الحكومة الالمانية اليوم لاستصدرا قانون الاندماج اليوم كي لا تتكرر أخطاء الماضي مع الاعداد الضخمة من اللاجئين الذين تستقبلهم ألمانيا هذه الايام.

ففي عام ٢٠١٥ قامت ألمانيا باستقبال أكثر من مليون ومئة ألف لاجئ. حوالي ربعهم من السوريين. الامر الذي أثار الكثير من التساؤلات عن التبعات التي سيتركها استقبال هذا العدد الكبير من اللاجئين. فهناك مخاوف لدى المحافظين من ضياع الهوية والثقافة الالمانية في مجتمع متعدد الثقافات. في حين لدى البعض مخاوف أمنية من احتمال وجود متطرفين وارهابيين ضمن هذه الجموع. بينما أغلب الشرائح ضعيفة الدخل ومتدنية المهارات والتعليم ترى فيهم منافسين محتملين يقاسمونهم الموارد والفرص. أما أصحاب الشركات والاعمال فيرون فيهم فرصة لتوفير اليد العاملة المدربة التي تحتاجها ماكينة الصناعة الالمانية الضخمة.

فعلى الرغم من خروج الالمان بالآلاف في مظاهرات ترحيب لاستقبال اللاجئين في بدايات عام ٢٠١٥، إلا أنه لم يصل العام إلى نهايته حتى تحول وصول اللاجئين إلى ألمانيا إلى "أزمة" أدت لخلق انقسامات واسعة واستقطابات حادة في المجتمع الالماني وداخل الاحزاب الرئيسية. والجدير بالذكر أن الانقسامات وصلت إلى داخل التحالف الحاكم نفسه، حيث هدد رئيس وزراء ولاية بايرن هورست زيهوفر من حزب التحالف المسيحي الاشتراكي برفع قضية لدى المحكمة الدستورية العليا ضد سياسات الحكومة المركزية التي تترأسها انجيلا ميركل زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي، على الرغم من أن الحزبين هما شركاء في الحكم والسلطة. أما ماكس شتراوبينغر وهو أحد السياسيين من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، فقد طالب بإعادة السوريين إلى بلادهم. اما المنافس التقليدي لميركل وحزبها، الحزب الاشتراكي الديمقراطي كان يؤيد في المجمل سياسات الحكومة في قضية اللجوء اكثر من بعض قيادات حزبها الديمقراطي المسيحي.

وهناك أيضا خلاف شديد بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع أسوأ أزمة هجرة عرفتها القارة منذ الحرب العالمية الثانية وخاصة بين الدول الحدودية المستقبلة للاجئين وتلك التي تعد وجهتهم النهائية مثل ألمانيا وهولندا والدول الاسكندنافية. ففي حين تطالب ايطاليا بإنشاء صندوق لتمويل مشاريع في أفريقيا، طالبت النمسا بإيقاف العمل باتفاقية شينغن في بعض مناطق ومعابر الاتحاد الاوروبي.

ويمكن كذلك رصد زيادة ملحوظة للمشاعر المعادية للمهاجرين في اوروبا، حتى في الدول التي عرفت تقليديا بمساعدتها السخية لطالبي اللجوء. فجميع الاحصاءات تؤكد تزايد نسب الاعتداء على مراكز اللجوء وعلى المساجد والاجانب في الدنمارك والسويد والنمسا وكذلك في ألمانيا. ففي النمسا مثلا ذكر التقرير الصادر عن جهاز المخابرات الداخلية أن السلطات وجهت اتهامات في نحو 1690 قضية لها علاقة بالتطرف اليميني العام الماضي وهو أكبر عدد من هذه القضايا حتى الآن خلال عام واحد ويقارن مع 1200 قضية في العام 2014. على الرغم من ان النمسا تلقت أقل من مئة ألف طلب لجوء خلال عام ٢٠١٥.

كما تشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب البديل من أجل ألمانيا المعروف بعداءه الشديد للاسلام وللمهاجرين اصبح يتمتع بدعم 14 في المئة من الناخبين الالمان الأمر الذي يشكل تحديا جديا للمحافظين بقيادة ميركل وغيرهم من الأحزاب السياسية القديمة قبل استحقاق الانتخابات الاتحادية في 2017. في حين أظهر استطلاع آخر للرأي تم اعداده بتكليف من وكالة الأنباء الألمانية أن 51 في المئة من الألمان يرون أنه يجب حظر ارتداء الحجاب في المدارس.

 

أما من الناحية التقنية فإن أزمة اللاجئين شكلت ضغط هائل على البنية التحتية للبيروقراطية الالمانية. فعلى سبيل المثال صرح فرانك يورغن فايسه رئيس مكتب الهجرة واللاجئين في ألمانيا في مقابلة مع القناة الثانية في التلفزيون الألماني بإن عدد الملتحقين بدورات الاندماج في عام ٢٠١٥ بلغ ١٨٠ ألف شخصا في حين أنه سيلتحق ٥٥٠ ألف طالب بهذه الدورات في عام ٢٠١٦. هذا في الوقت الذي تواجه فيه المكاتب الحكومية نقص كبير في عدد المدرسين للغة الالمانية والمترجمين والموظفين في مكاتب اللجوء.

ولعله من حسن حظ اللاجئين أن الاقتصاد الالماني يمر في حالة جيدة جدا مقارنة بالدول الاوروبة المحيطة، حيث تشهد ألمانيا هذا العام أقل نسبة عاطلين عن العمل خلال الخمسة وعشرين سنة الماضية، الامر الذي يسر للحكومة مواجهة هذه المصاريف المالية الضخمة. فقد حاول وزير الاقتصاد الالماني سيغمار غابرييل بعث رسالة تطمين لدافعين الضرائب حيث صرح بإنه " لن يتم تغطية هذه المصاريف من ضرائب جديدة، فالاقتصاد الالماني قوي وقادر على تجاوز هذا التحدي". ففي سبتمبر أيلول الماضي قالت وزيرة العمل الألمانية أندريا ناليس إن دمج اللاجئين سيؤدي إلى تكاليف إضافية لميزانية وزارتها تتراوح بين 1.8 و3.3 مليار يورو. إلا أن الحكومة الالمانية صرحت بإنها ستستخدم فائض الميزانية المتوقع لسداد تكاليف إيواء اللاجئين.

 

يمكن النظر إلى قانون الاندماج الالماني على انه جاء ضمن حزمة من الاجراءات التي اتخذتها الحكومة من أجل رأب الصدع داخل التحالف الحاكم من جهة، ومن أجل تجنب المزيد من انزلاق المزاج العام تجاه العداء للاجانب واللاجئين من جهة أخرى. حيث قامت الحكومة الالمانية بتوقيع تفاهمات مع نظيرتها التركية للحد من موجات اللاجئين تجاه أوروبا، كما قامت تقريبا بإغلاق خط البلقان عبر اليونان إلى ألمانيا. عدا عن تحديدها للعديد من الدول كدول آمنة بحيث يمكن اعادة اللاجئين منها إليها كالمغرب والجزائر وألبانيا ومقدونيا. ثم أضف إلى ذلك تعقيد اجراءات لم الشمل بشكل عام وخاصة للاطفال والقصر الذين يصلون إلى اوروبا لوحدهم ويعملون بعدها على استجلاب أهلهم عن طريق قانون لم الشمل. حيث تقدر اعداد هذه الشريحة بتسعين ألف طلب لجوء في أوروبا في الـ ٢٠١٥ أغلبهم في ألمانيا.

ينص قانون الاندماج بشكل أساسي على التسامح وقبول الثقافات الأخرى، كما أنه ينص على ضرورة احترام القوانين والعادات السائدة في المجتمع الالماني. ويؤكد كذلك على ضرورة تعلم اللغة الالمانية للوافدين الجدد وربط حصولهم على المساعدات الاجتماعية والمالية بمشاركتهم في دورات الاندماج. كما ينص على ضرورة تأهيلهم لسوق العمل كي يكونوا أعضاء ومواطنين منتجين وفاعلين. حيث تؤمن الحكومة  فترة تتراوح ما بين سنتين إلى ثلاثة سنوات من أجل تعلم اللغة الالمانية ومن أجل اكتساب المؤهلات اللازمة للدخول في سوق العمل الذي ينتظرهم. ففي مقابلة أجرتها صحيفة الشبيغل مع "يانينا كوغل" عضو مجلس إدارة شركة سيمنس الالمانية ومسؤولة شؤون العمال فيها والذين يبلغ عددهم ٣٤٠ ألف موظف، اجابت على سؤال "هل تحتاج ألمانيا مهاجرين؟" بما يلي: "حتى عام ٢٠٣٠ سيعاني سوق العمل الالمانية من نقص في الكفاءات المؤهلة يقع ما بين مليونين وسبعة ملايين شخص مؤهل حسب طريقة ومنهجية تصنيف الكفاءة والتأهيل. في جميع الاحول سينعكس ذلك على الاقتصاد الالماني بتناقص في الدخل القومي يقدر بعدة مئات من المليارات". "ألمانيا بحاجة إلى حزمة تشريعات تسهل دخول الكفاءات إلى ألمانيا". مع العلم أن نسب اللاجئين من العراق او من كوسوفو على سبيل المثال الذين تحولوا إلى قوة عمل تعد محدودة باستثناء الكفاءات الاكاديمية واصحاب الاختصاصات النادرة. إلا أن تعويل السياسات الحكومية يتجه عادة لإدماج أولاد اللاجئين في المجتمع وفي سوق العمل على المدى المتوسط والبعيد.

كما يجدر الإشارة إلى أن تجربة الحكومات الالمانية مع اللاجئين من البوسنة والهرسك تظهر أن نسبة العائدين لبلادهم بعد توقف الحرب لم تتجاوز الـ ١٥ بالمئة. وبالتالي فحتى البعض من اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعد انتهاء الحرب سيشكلون جسرا للتواصل والتعاون الاقتصادي بين بلادهم وألمانيا، فمن طبيعي أن يستوردوا لبلادهم التكنولوجيا والآلات والمعرفة الالمانية التي تعلموها وتعودوا عليها. لذلك فإن قانون الاندماج ليس مجرد تجاوب مع أزمة اللاجئين ومحاولة لتجنب انعكساتها السلبية، بل إنه أيضا خطوة نحو المستقبل من أجل تأمين اليد العاملة والكفاءات والعلاقات التجارية التي يحتاجها الاقتصاد الالماني للمحافظة على دوره الريادي في الاقتصاد العالمي.

رغم سوداوية الظروف التي اوصلت السوريين والعراقيين وغيرهم من العرب والمسلمين من بلدانهم المنكوبة إلى ألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الاوروبي، إلا أنه قد تحمل هذه الظروف أيضا فرصة ونافذة أمل. فمن المعول عليه أن يعود بعض هؤلاء اللاجئين لبلادهم بعد توقف الحرب والقتل كي يشاركوا في اعادة اعمار بلادهم بعدما اكتسبوا مهارات وخبرات جديدة لم يكونا ليحصلوا عليها لولا تلك الظروف. وربما يشكل هؤلاء اللاجئين أو أولادهم جسرا للتقارب الحضاري والثقافي بين الشعوب على ضفتي المتوسط بما يسمح بطي صفحة العداء التاريخي الذي طبع تاريخ المنطقة لقرون عديدة.

 

تم نشره على موقع معهد العالم للدراسات في  في ٦ آب ٢٠١٦ تحت الرابط التالي: اضغط هنا

البحث

حقوق إعادة النشر متاحة لكل من يرغب شرط الإشارة للمصدر

Powered by MIB 2014