social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • صعود اليمين الشعبوي في ألمانيا

  • رحلة الحج بين الروحانية والعولمة

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

إعادة تشكيل الشرق الاوسط

شرق أوسط يعاد بناؤه

 أدت المغامرات العسكرية الأمريكية في العقود الأخيرة وكذلك التغيرات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي إلى تغير طبيعة التحديات الاستراتيجية التي ستواجهها الولايات المتحدة في العقود القادمة. ففي حين استنزفت وزارة الدفاع الميزانية الأمريكية على مدى عقدين متتالين بشكل مرهق، أدت القدرات المتزايدة لدول شرق آسيا على الانتاج والتصنيع إلى خلق حالات كساد ضخمة في العديد من الصناعات في أوروبا وأمريكا. كما أن آثار تزايد القدرات التنافسية لدول شرق آسيا لازالت تتكشف بشكل متتابع سنة بعد سنة. حيث من المرجح اختفاء العديد من الصناعات العريقة في الغرب عموما لضعف قدراتها التنافسية في عالم العولمة الذي بشر به وصنعه الغرب على عينه.

 

أما في الساحة السياسية فاكتسبت العديد من المجموعات الصغيرة نسبيا قدرات متزايدة على التأثير في السياسات العالمية في حين كانت الدول القومية هي اللاعب الوحيد على ساحة السياسة الدولية لعدة قرون مضت. فتفجير طائرة على يد مجموعة من المتمردين المجهولين في أوكرانيا أو اختطاف سفينة تجارية في المحيط الهادئ يؤدي اليوم إلى اضطراب هائل في كامل قطاعات النفط والمال وشركات الطيران وشركات التأمين عبر العالم. كما أن الصراعات المسلحة الناتجة عن الأزمات المحلية المستعصية بدأت بالتحول إلى أزمات ذات طابع دولي كما شهدنا ذلك في حالة تنظيم الدولة الاسلامية، وكذلك في حالة القاعدة قبل ذلك.

استوجبت هذه التغيرات استجابات عميقة على مستوى السياسات العليا للولايات المتحدة تقضي بإعادة النظر بتموضعها الاستراتيجي عبر العالم، وما يقتضيه ذلك من ترشيد لتوزيع واستخدام أدوات القوة بكافة أشكالها المنتشرة عبر القارات الخمسة. وذلك ما بات جليا منذ وصول الرئيس بارك أوباما إلى سدة الرئاسة قبل أكثر من ستة سنوات. فسياسة الانكفاء الامريكية تجاه الأزمات السياسية العالمية لم تبدأ في الحالة السورية أو في أوكرانيا، بل كانت واضحة منذ الاجتياح الروسي لجورجيا في عام ٢٠٠٨.

وبالتالي فإن السياسات الأمريكية الهادفة للوصول إلى تفاهم مع إيران ولو على حساب الشركاء التقليديين في المنطقة يمكن فهمها في هذا السياق، حيث تسعى الولايات المتحدة اليوم لتحقيق مصالحها في المنطقة من خلال سياسات أقل عدوانية وبأقل قدر من التدخل المباشر. فالاولوية لدى الادارة الامريكية اليوم هي المحافظة على التفوق الاقتصادي والصناعي في عالم متغير تسوده ديمقراطية المعرفة وسهولة تنقل التكنولوجيا, وسمته التنافس على العقول والاسواق.

رغم عودة القوات العسكرية الغربية إلى المنطقة في صيغة التحالف الغربي ضد تنظيم الدولة، إلا أن هذه العودة تعد خطوة تكتيكية خجولة، تعول على الشركاء المحليين وتخدم أهداف آنية على صعيد التنافس السياسي داخل الولايات المتحدة، وأخرى على المدى المتوسط على صعيد توازن القوى داخل منطقة الشرق الاوسط. أي أن التحالف الغربي الذي تأسس ليواجه تنظيم الدولة لا يملك على اجندته طموحات توسعية بعيدة المدى. الأمر الذي يعني ظهور فراغ نفوذ متزايد في المنطقة لم نشهد مثيله منذ انهيار الدولة العثمانية.

بطبيعة الحال لن تتمكن روسيا أو الصين من ملأ هذا الفراغ لعدم قدرتهم على تحمل أعباء بناء وتشغيل الدولة الامبراطورية التي عجزت عنها الولايات المتحدة وعجزت عنها بريطانيا قبل ذلك، عندما كانت عظمى. مما يعني أن التنافس على ملا فراغ النفوذ في المنطقة سيكون محصورا بين إيران وتركيا وكذلك اسرائيل. خاصة بعد خروج مصر من ساحة التنافس الأقليمي كقوة فاعلة وقادرة على قيادة دول أخرى لأسباب عديدة أهمها تفاقم تناقضات دولة مصر الداخلية والتراجع المستمر لقدراتها الاقتصادية، الأمر الذي تركها عرضة للتقلبات السياسية في الدول المحيطة بها، بدل أن تكون هي الموجه والمشارك في صناعة الأحداث السياسية في الأقليم.

أما اسرائيل فهي تعتمد على تفوقها المعرفي والذي تسعى لترجمته إلى نفوذ اقتصادي ومالي يسمح لها بالسيطرة السياسية، وكذلك تعتمد على علاقتها الدولية من أجل تحقيق مصالحها دون اضطرارها للجوء إلى الهيمنة المباشرة عبر التدخل الخشن.

في حين تتنافس تركيا وإيران على قيادة الفعل السياسي في المنطقة، حيث تسعى كلا منهما لبناء منظومة سياسية قادرة على قيادة المنطقة, تكون هي محركها الأساسي وصاحبة التأثير الأكبر فيها.

فإيران اليوم تعول على ثمار الاتفاق النووي من اجل دعم مشروعها الرامي للهيمنة على القرار السياسي في منطقة الشرق الاوسط. حيث سيوفر لها الاتفاق النووي سيولة مالية ضخمة يمكن توظيفها في دعم اذرعها الممتدة في الدول المقلقلة في المنطقة، كما أنه سيعيد تأهيلها كشريك وعضو فاعل في المجتمع الدولي يمكن التعامل معه والتعويل عليه في تحقيق مصالح الدول الكبرى في الاقليم. فمن المؤكد ان الاتفاق النووي الامريكي الايراني سيمد الخزينة الايرانية بسيولة مالية ضخمة تساعد الطموحات الايرانية على التمدد والتوسع في المدى المنظور. إلا أنه على المدى البعيد  قد يؤدي هذا الاتفاق الى تفكك نظام الملالي الايراني وربما انفراط عقد الدولة الايرانية كنتيجة لتفكك السردية الرئيسية التي تأسست عليها دولة الملالي بشكل كامل (العداء للغرب ونصرة المستضعفين).

أما تركيا فقد سعت خلال السنوات الماضية لدعم المد الثوري والشعبي في المنطقة والمطالب بالمزيد من الحريات لقناعاتها بإن الناتج عن هذه الثورات في حال نجاحها سيكون أنظمة سياسية معتدلة قريبة في توجهاتها من حزب العدالة التركي, وبالتالي سيكون من الممكن التفاهم والتعاون معها لبناء منظومة قادرة على ملء فراغ الهيمنة الناشئ عن الانكفاء الامريكي. إلا أن طول أمد الازمات وانهيار الدولة الحاصل في سوريا والعراق وضع الدولة التركيا أمام تحديات ومخاطر متعددة ناجمة عن بروز الجماعات الاسلامية المتطرفة من جهة، وكذلك ناجمة عن تعاظم أحلام وطموحات بعض الجماعات الكردية المتطرفة من جهة أخرى. الامر الذي استوجب التدخل العسكري التركي المباشر خلال الشهر الجاري رغم محاولة تجنبه خلال السنوات الماضية. حيث يهدف التدخل العسكري التركي إلى تحقيق عدة أهداف مرحلية تخدم الرؤيا المستقبلية لتركيا حول دورها وتموضعها في المنطقة ويحقق شيء من التوازن مع التقدم العسكري والسياسي الايراني.

يمكن تلخيص هذه الاهداف كما يلي: منع الجماعات الكردية المتطرفة من تغيير البنية الديموغرافية في الشمال السوري، وكذلك تحجيم تنظيم الدولة وتحجيم تهديده للعمق التركي من جهة، وحماية ظهر فصائل المعارضة المسلحة المقاتلة للنظام السوري والنفوذ الايراني من جهة أخرى. كما أن خلق المنطقة عازلة في الشمال السوري سيتطلب حمايتها من تنظيم الدولة ومن نظام الاسد. حيث سيساعد وجود هذه المنطقة من تخفيض تدفق اللاجئين, وستمثل نقطة انطلاق يمكن للمعارضة السورية الانتقال إليها بما يخفف العبء السياسي للاستضافة المعارضة السورية في تركيا.

في خضم هذه التغيرات تعيش المنطقة العربية حالة من الهشاشة وانهيار الدولة. مما يجعل تحالف دولها مع الدول المحيطة من أجل تحقيق الاستقرار قدرا أكثر منه خيارا. فلا خيارات أمام سوريا والعراق وكذلك أمام باقي دول المنطقة سوى التعاون مع إيران أومع تركيا أو مع كلاهما من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية عبر الخروج من دائرة الهشاشة إلى دائرة الاستقرار.

كما أن الخروج من دوائر التبعية للسياسة الغربية إلى دوائر الاستقلال الاقليمي في صناعة القرار السياسي على المدى البعيد يتطلب بناء منظومة اقليمية متفاهمة ومتعاونة فيما بينها. والحقيقة فإن تركيا اليوم رغم جميع الانتقادات والنواقص تمثل واحة الاستقرار السياسي والاقتصادي الوحيدة في المنطقة والمعتمدة على آليات التداول السلمي للسلطة، وتتبنى نموذج الاندماج الايجابي في عالم العولمة. الامر الذي يجعلها الحليف الطبيعي لسياسات التحول الديمقراطي لدى دول الربيع العربي، وكذلك يجعل منها الظهير الحقيقي لحركات التغيير المطالبة بالانتقال الديمقراطي في المنطقة. وفي نفس الوقت فإن تركيا هي الحليف الطبيعي للسعودية من أجل تطويق التهديد الايراني بعد توقيع الاتفاق النووي.

ولعله من المفارقات التاريخية أن جميع المناطق التي تعاني اليوم من القلاقل الاجتماعية والسياسية: فلسطين، سوريا، العراق وكذلك جورجيا والقرم وأوكرانيا والبلقان كانت تعيش تحت الادارة العثمانية قبل ١٠٠ عام. حيث أن الدولة القومية الناشئة  في جميع تلك الدول بعد انفصالها عن جسم الدولة العثمانية لم تستطع تحقيق نجاحات تذكر فيما يتعلق ببناء الهوية المشتركة وبناء دولة الرفاه والخدمات وذلك لأسباب عديدة لا يتسع لها المقام في هذا المقال. الأمر الذي يجعل التفاهم والتقارب مع الدولة التركية الحديثة في جوهره تصالحا مع الذات ومع التاريخ أكثر منه قرارا سياسيا. فهناك مئات السنين من التاريخ المشترك بالاضافة إلى الكثير من المصالح المشتركة اليوم.

خلاصة القول هي أن المسار الأقتصادي والسياسي التي اتبعته تركيا يرشحها للعب أدوار هامة مستقبلا ويؤهلها كشريك يمكن التعاون معه والتعويل عليه من أجل بناء منظومة سياسية اقليمية تتمتع بشيء من الاستقرار والاستقلال وتمتلك القدرة على مواجهة الاطماع والطموحات الايرانية من جهة والاسرائيلية من جهة أخرى. حيث سيكون من المتعذر إعادة بناء الدول المدمرة والمقلقلة في المنطقة على أسس سليمة في غياب هذه المنظومة، كما أن أي حل للقضية الفلسطينية على المدى البعيد يحتاج منظومة سياسية محلية تتبنى هذه القضية.

وفي الختام يمكننا القول من حيث النتيجة بأننا الجيل الذي يعيش المراحل الأخيرة لانهيار النظام السياسي الذي حكم منطقتنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وحتى ولادة النظام البديل سيتوجب على شعوب المنطقة أن تتعايش مع آلام المخاض التي تعصف بها على هيئة أزمات واضطرابات متزايدة، تتصارع في خضمها المشاريع المتنافسة.


 تم نشره على موقع الجزيرة نت في ١٤ آب ٢٠١٥ تحت الرابط التالي: اضغط هنا

البحث

حقوق إعادة النشر متاحة لكل من يرغب شرط الإشارة للمصدر

Powered by MIB 2014