social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

  • رهانات العولمة في طريق مسدود

  • تأسيس ونشوء الأحزاب السياسية في الواقع السوري الراهن

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

الحل السياسي في سوريا بين الآمال والواقع

Aleppo Explosion

في أول أيام عيد الفطر قام السيد معاذ الخطيب، الرئيس السابق للإئتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية بتجديد دعوته للحوار مع النظام السوري من أجل الوصول إلى حل سياسي يحفظ ماتبقى من الدولة السورية. وقبل ذلك لا تكاد تجد تصريحاً لأي مسؤول عربي أو غير عربي، متعاطف مع النظام أو متعاطف مع الثورة والمعارضة، إلا ويعبر عن رؤيته لحل الأزمة السورية بأنه لا سبيل لذلك إلا بالحل سياسي. ولكن كيف يبدو هذا الحل؟ وكيف يبدو الطريق إليه؟

المبعوث الخاص للأمم المتحدة للشأن السوري السيد الأخضر الإبراهيمي كان يعتقد أن الطريق للحل السياسي يمر عبر الحوار وعبر المفاوضات التي تجمع طرفي النزاع على طاولة واحدة فقط، إلا أنه دفع ثمن هذه القناعة من سمعته، كما أن محاولات تحقيق رؤيته هذه كلفت الشعب السوري سنة أخرى من الدم والمعاناة. وهنا لا بد من طرح السؤال التالي: رغم أن أغلب المراقبين والخبراء في الشأن السوري يرون أن الحل السياسي لا بد أن يمر عبر المفاوضات، إلا أن السيد الأخضر الإبراهيمي لم ينجح في مسعاه. فأين أخطأ الإبراهيمي في رؤيته؟ وهل يمكن الوصول إلى حل سياسي مناسب للأزمة السورية؟

 

لماذا لم تنجح مفاوضات جينيف؟

يتم تعريف الصراع بأنه علاقة تصادمية بين متناقضين يستحيل التعايش بينهما ومحكومين بإهلاك الواحد منهما الأخر. وبالتالي فإن جمع المتناقضين على مائدة المفاوضات مباشرة لن يعمل إلا على إذكاء الصراع. تتجدد الدعوات إلى الحوار مع النظام من بعض أطراف المعارضة كل فترة.  إلا أن الحوار هو أداة التواصل لصناعة تفاهم بين فريقين في ظل وجود مصالح مشتركة يشوبها سوء تفاهم أو يعيق تحقيقها تحيزات وتصورات مسبقة. الحوار أداة فعالة تساعد في هذه الحالة من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة تسمح بتحقيق تفاهمات. أداة الحوار الرئيسية هي الخطاب العقلاني الذي يبني على المصالح المشتركة والمستقبل المشترك. لا يوجد حوار بين أعداء تحكمهم حالة صراع،  بل بين الأصدقاء أو الشركاء أو الشركاء المحتملين.

أما المفاوضات فهي عملية إدارة للتنافس أو الخصام. بل هي إستمرار للحرب ولكن بشكل سياسي، أداتها الرئيسية حسابات الربح والخسارة وفهم موازين القوى بين الأطراف. لذلك يكون عادة من الصعب حصول أحد الأطراف من خلال المفاوضات على مكاسب لا يمكن الحصول عليها في ساحة المعركة. تهدف عملية التفاوضات إلى التحول من الصراع الصفري الذي يعني إما كل شيء أو لاشيء، إلى حلول توافقية تتطلب تنازلات من الطرفين نتيجة الإدراك أنه لا يمكن حسم الصراع بالقوة، أو أن الحسم العسكري سيتطلب أثمان أكبر من المكاسب المنتظرة.

المفاوضات الجادة تتطلب العديد من التحضيرات التي تقوم بها في العادة مؤسسات مختصة. حيث  تقوم هذه الأخيرة بصياغة الإطار المعرفي المستند إلى معطيات الواقع، من خلال تحليل ديناميكيات الصراع وفهم أسبابه وجذوره وتحديد الأطراف الرئيسية المؤثرة في الصراع ومعرفة مصالحها بشكل جيد. وبالتالي إمتلاك التصور الصحيح للمصالح التي يجب أن تسعى المفاوضات لحمايتها وتحقيقها، مما سيساعد في الوصول إلى التصور الصحيح للكيفية التي يمكن أن تتم فيها المفاوضات وعلى ماذا يجب أن يتم التفاوض.

تفشل المفاوضات حين يكون أحد الأطراف غير مدرك لطبيعة الخيارات المتوفرة أمامه أو غير جاهز لتقديم اي تنازل. ويفشل رعاة المفاوضات عندما يكونون غير مدركين للمصالح والمخاوف الحقيقية لكل طرف ولا يمتلكون تصور واضح حول ماهية جذور الصراع وأفق الحلول وماذا يمكن أن تسفر عنه المفاوضات. سيكون الفشل مؤكداً عندما لا يمتلكون أدوات ضغط لتوجيه الأطراف نحو تحقيق الحل المتصور.

لدى إسقاط التعاريف والمفاهيم السابقة على الصراع الدائر في سوريا، سنجد أن مقومات التفاوض الناجح لم تكن موجودة، لا من ناحية فهم ديناميكية الصراع، ولا من ناحية جمع جميع الفاعلين، ولا من ناحية تحقيق مصالحهم وتطمين مخاوفهم. ليس هناك من يعتقد بأن الولايات المتحدة أو روسيا قد تفاجئتا بنتائج مفاوضات جينيف. فهم مدركون للعلاقة الصراعية بين الأطراف المتفاوضة ولغياب الأرضية المشتركة التي يمكن البناء عليها للوصول إلى حلول. كما أنهم يعرفون أن الأطراف التي تم سوقها إلى طاولة المفاوضات لا تمثل مصالح كافة أطراف الصراع بشكل صحيح، وهي غير مؤهلة لإتخاذ قرارت. وبالتالي هي غير قادرة على الوصول إلى حلول توفيقية، فضلاً عن حلول جذرية للصراع.

كما أن بعض الدول الإقليمية رفضت مشاركة إيران في جنيف، مع علمها أن لإيران التأثير الأكبر والأهم على النظام. والحقيقة فإن أي  مفاوضات تعمل على إستبعاد إيران أو روسيا، يمكن لها أن تنجح فقط في حال كانت هناك قوة عسكرية وسياسية مكافئة لإيران أو مكافئة لروسيا أو أقوى منهما تتبنى هذا الموقف وتدعم المعارضة بما يجعل أثر إيران أو روسيا في الصراع السوري مساوياً للصفر، وهو ما لم يتوفر حتى اليوم. كما أن أي إستبعاد للإسلاميين من أي حوار أو تفاوض حول مستقبل سوريا - كما يحاول أن يفعل البعض - سيكون أشبه بالتحاور مع المرآة.

ونختم تحليلنا لأسباب فشل الجولات الأولى من المفاوضات الخاصة بسورية بحلقة من التاريخ الأوربي تم ذكرها مراراً عند الحديث عن الأزمة السورية. حيث يعلم الأوروبيون من تاريخهم بأن محاولات القيصر الألماني فرديناند الثاني لإنهاء حربه مع رعاياه البوهيميين بعد أكثر من ١٠ سنوات من المعارك منيت جميعها بالإخفاق لأن حربه لم تبق كما بدأت، أي كنزاع داخلي مع البوهيميين في براغ.  (ابتداءاً من عام ١٦١٨ والتي تعرف بحرب الثلاثين عاماً، خاتمة قرن من الحروب الدينية في أوروبا) لقد تحول النزاع الداخلي إلى صراع أوروبي موسع على الأرض الألمانية، صار فيه لفرنسا والسويد والدنمارك وإسبانيا رأي وقرار ومصالح فيما يتعلق بمسار الحرب ونتائجها. لم يتم التوصل إلى حل يحقق الإستقرار إلا بعد عشرين سنة أخرى، بعدما جلس ممثلون لجميع أصحاب المصلحة على طاولة واحدة. فقط عندما جلس جميع الذين يعملون على تغذية عجلة الصراع ودعم الأطراف المتحاربة على طاولة المفاوضات وتباحثوا في مصالحهم لمدة سنتين كاملتين استطاعوا إنهاء حرب الثلاثين عاما. وتمخضت التفاوضات عن وثيقة فيستفالن ١٦٤٨ التي عالجت أسباب وجذور هذه الحرب الطويلة، ولم تعمل فقط على تقديم حلول ترقيعية. الأمر الذي جنب القارة الحروب الكبرى عدة قرون أخرى حتى الحرب العالمية. لقد كانت تجربة مكلفة إنتهت بتدمير أكثر من ١٥٠٠ مدينة وإبادة ثلث الشعب الألماني قبل أن يتعلم الجميع أن الأزمات المعقدة العابرة للحدود تحتاج حلولاً صعبة مستندة لمعطيات الواقع وموازين القوى، لا الأماني والأوهام.

كيف يمكن الوصول لحل سياسي قابل للتطبيق؟

قد يبدو أن الوصول لحلول حقيقية عبر التفاوض في الوقت الحالي أمر بعيد المنال. لكن ليس المطلوب اليوم من المعارضة السورية الإستسلام أو التسليم للنظام لتجنيب سوريا مصيراً مشابهاً لما حدث في ألمانيا قبل حوالي أربعة قرون كما يروج حلفاء النظام. وإنما المطلوب هو تغيير المقاربات السياسية التي اعتمدت التعويل على التدخل والضغط الغربيين، والمستندة للأماني والفرضيات الخاطئة، وإعتماد بدلاً من ذلك مقاربات سياسية تستند إلى أطر معرفية وإستراتيجيات مدروسة لكيفية التعاطي مع الواقع كما هو لا كما نتمناه. وإلا فإن البديل هو إستمرار الحرب الإقليمية والدولية على الأرض السورية وبدماء أبنائها لسنوات طويلة قادمة، حتى يتمكن أحد الأطراف من الحسم العسكري. إلا أن الحسم سيكون عندها  إنتصارا عقيماً، لا يمكن الإفادة منه نتيجة للحالة المعقدة التي ستخلفها الحرب.

قد يكون من المتعذر إيجاد حلول سياسية أو سحرية تحل الأزمة في سوريا بخطوة واحدة. لذلك فإنه من الحكمة العمل على تطوير البيئة والأدوات التي قد تسمح لنا بالوصول لحل سياسي في مرحلة لاحقة بدل التركيز على الوصول إلى حل سياسي مباشرة. بمعنى آخر: قد يكون من المتعذر اليوم خلق هيئة حكم إنتقالي كما نص على ذلك إعلان جينيف١، وكذلك من المتعذر الوصول إلى إتفاق وقف إطلاق النار يؤدي إلى إيقاف الحرب بين النظام وحلفائه من جهة، وبين كتائب الثورة والمعارضة المسلحة. ولكن في مقابل ذلك يجب السعي لحصر هذه الحرب على خطوط التماس من خلال إيقاف إلقاء البراميل والقنابل على المناطق الأخرى المأهولة بالسكان أو البعيدة عن خطوط التماس، بما يسمح لمعظم المناطق السورية بأن تنعم بشيء من الإستقرار.

هذا الإستقرار سيؤدي بدوره إلى عودة النازحين إلى هذه المناطق وعودة عجلة الحياة والإقتصاد في هذه الأماكن للدوران، مما سيعمل على إعادة بناء الأطر والهياكل الإجتماعية والسياسية الكفيلة بالسماح بخروج قيادة مدنية إجتماعية يمكنها تمثيل المعارضة بشكل حقيقي وجدي والتفاوض عنها. حيث أنه لا يمكن الوصول إلى حلول سياسية مستدامة بدون وجود ممثلين حقيقيين لمصالح الشرائح الشعبية العريضة المعارضة للنظام بكافة أشكالها وتصنيفاتها. إن ظهور هؤلاء الممثلين يحتاج إلى شيء من الإستقرار في المناطق التي خرجت عن سيطرة الأسد في الشمال. ولا يوجد أي تفسير لتدمير أكثر من ثلث حلب بالبراميل المتفجرة إلا رغبة الأسد بعدم السماح للمناطق الخارجة عن سيطرته أن تنعم بشيء من الإستقرار. إن الهدوء النسبي والإستقرار في تلك المناطق هو الطريق الوحيد نحو بناء بنى إجتماعية وسياسية جديدة في تلك المناطق، بما يسمح بظهور قيادات إجتماعية وسياسية جديدة تمثل مصالح هذه المناطق وتستطيع تقديم نموذج بديل والدخول كذلك في عمليات تفاوض حقيقية مع الأطراف الأخرى. إن إنشاء هذه المنطقة سيكون خطوة أولى تسمح بإعادة خلق الإستقرار إنطلاقاً من الشمال السوري، مما سيخفف أيضا من أعباء اللجوء إلى الدول المجاورة لسوريا وإلى الدول الأوروربية. هذا سيسمح بدوره بخلق مخبر لممارسة تجربة بناء الدولة الديمقراطية في هذه المناطق، مما سيساعد الناشطين والسياسيين على إكتساب تجارب مهمة ستساعدهم على بناء سوريا الجديدة.

لذلك فإن هناك أيضا واجبات مترتبة على رعاة عملية الحل السياسي ممثلين في هيئة أصدقاء الشعب السوري والأمم المتحدة. على أصدقاء سوريا العمل والضغط في إتجاه تحقيق هذا التطور إن كانوا جادين في صداقتهم. ولهذا الغرض يوجد لديهم عدة أدوات، تبدأ بالحوار والتفاوض المباشر مع إيران وروسيا من أجل الوصول إلى تفاهم من هذا النوع. وفي حال تعذر ذلك فهم يمتلكون العديد من الخيارات مثل توسيع مظلة الناتو الصاروخية في جنوب تركيا والتي تم إنشاؤها في ٢٠١٢، كي تغطي ٣٠ إلى ٤٠ كلم داخل الأراضي السورية على طول الحدود من باب الهوا إلى معبر باب السلامة. مما سيسمح بخلق ملاذات آمنة يمكن للمعارضة السورية ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الإغاثية والسياسية أن تعمل إنطلاقاً منها. يمكن كذلك للمعامل والشركات أن تستأنف أعمالها في تلك المناطق، بما يسمح لعجلة الإقتصاد بالدوران من جديد. 

بعد أكثر من ثلاث سنوات من بداية المأساة السورية لم يعد من المقبول أن تردد الدول الغربية التي حكمت إرادتها السياسة العالمية لعدة قرون نفس الأعذار بشكل مستمر لتبرير عدم التدخل الجاد والفعال. وكذلك لم يعد مقبولاً من المعارضة السياسية السورية الإستمرار في سياسة إنتظار التدخل الغربي دون السعي لتطوير بدائل معتمدة على القدرات الواقعية الذاتية.

إن الأزمات المعقدة والحروب تحتاج إستراتيجيات مناسبة ودقيقة من أجل تحقيق إنفراجات وصناعة الحلول. وهذه تتطلب بدورها عقلانية وموضوعية لفهم الواقع والتعامل معه كما هو وليس كما نتمناه. أما المقاربات المبنية على الأماني والأوهام والفرضيات الخاطئة، فإنها لن تعمل إلا على إطالة أمد المأساة التي يتم دفع فاتورتها من دماء الشباب السوري ومن مستقبل أبنائهم.


 مقال تحليلي تم نشره على موقع نون بوست بتاريخ ١ آب لعام ٢٠١٤

البحث

حقوق إعادة النشر متاحة لكل من يرغب شرط الإشارة للمصدر

Powered by MIB 2014