حول الدعم الدولي العسكري للثورة السورية

تزايد في الآونة الأخيرة شعور الإحباط والخذلان الناجم عن تخلف الدول الشقيقة والصديقة عن دعم الثورة السورية بالسلاح النوعي الذي تحتاجه من أجل تعجيل الحسم العسكري لصالح قوى الثورة، ولعل ذلك مرتبط بالآمال التي يعقدها الكثيرون بعد كل مؤتمر سياسي لما يسمى بأصدقاء سوريا وكذلك بعد كل مرة نسمع بها تصريحات ووعودا نارية من القادة الغربيين، يعلنون فيها انتهاء صلاحية هذا النظام وأن على قادة النظام أن يخرجوا من المشهد السياسي ويغادروا الساحة حقنا للدماء.

في الحقيقة يكمن الإشكال في أننا نحاكم مواقف وتصرفات الدول الغربية وفق إطارنا الفكري العربي المنبثق عن بيئتنا وثقافتنا حيث ينطلق في أدبياته من المبادئ الإنسانية والأخلاقية المطلقة، حيث يُعد الانتصار للمظلوم ومساعدة المحتاج أمراً أخلاقيا واجبا فعله، وهذا حق في فهمنا،  و لكن لم نسعَ لمحاولة فهم طريقة التفكير الغربي الذي نطلب منه المبادرة والمساعدة  ولم نتعرف على آلية ومعايير اتخاذ القرار لديه، ولو فعلنا لوفرنا على أنفسنا الكثير من الإحباط وربما لوصلنا لما نريد بطرق أقصر وفي وقت أقل.

كثيرا ما دغدغت عواطفنا قصة وامعتصماه وطالما تمنينا لو أن أوباما أو أردوغان يقفان أمام البرلمان التركي أو الكونغرس الأمريكي ويعلنون النفير العام ويعطون الأوامر لإرسال حاملات الطائرات للمياه السورية وإنقاذ الشعب السوري من محنته.

مما لا يخفى على الكثيرين أن الرؤساء الغربيين اليوم لا يملكون صلاحيات المعتصم العباسي وأن زمانه قد ولى ولا نحسب أن هذا الزمان سيعود يوما، فالحاكم في الدول الحديثة اليوم هو موظف في خدمة مصالح شعبه الذي أنتخبه ولا يملك أن يحرك جيشا ولا يخاصم عدوا  دون أن يمر بسلسة من الإجراءات المعقدة والتي تضمن بدورها أن قراره يتوافق مع مصالح الدولة المعنية. فلا الحكومات الغربية ولا العربية ستتحرك نصرة للمظلوم أو انتصارا للقضايا العادلة إن لم يكن في تحركهم خدمة لمصالحهم ومصالح شعوبهم كما يرونها، ولنا في التاريخ الحديث في البوسنة والهرسك وراوندي وكوسوفو وأخيرا في مالي عبرة ودروس.

فالدول الحديثة شئنا أم أبينا تحكمها المصالح لا الأخلاق، وهذا الواقع الذي علينا أن نتعامل معه. فالأخلاق والقيم والمثل العليا هي لترشيد المواطن داخل هذه الدول ولضبط حدود علاقاته مع باقي المواطنين داخل الحدود. أما في التعامل بين الدول فلا يوجد هناك إلا لغة المصالح.

قد يجادل البعض بأن التدخل الغربي أو دعم الثوار بالسلاح النوعي فيه مصلحة ظاهرة للغرب وانتصار لهم ضد من يدعون عداءهم  منذ أكثر من ثلاثين سنة. إلا أن الدول الكبرى لها مصالح تسعى لتحقيقها وبالتالي هي لا تبحث عن حلول وإنما تسعى لإدارة الأزمة كي يتسنى لها إنضاج أجواء وشخصيات مناسبة تحفظ لها مصالحها، فالمنطلق لأي تحرك غربي هو السعي لتحقيق هذه المصالح والحفاظ عليها و كذلك للحد من الأضرار التي ستنجم عن التغيير السياسي الناجم عن سقوط النظام. ربما أهم هذه المصالح المباشرة هو الحفاظ على الاستقرار في المنطقة من أجل تفويت الفرصة على الجماعات المسلحة التي قد تجد في بيئة الفوضى وفي ظل غياب وجود الدولة المناخ المناسب للعمل والنمو والتي قد تشكل فيما بعد تهديد للمصالح الغربية في المنطقة ككل وفق عقيدة الغرب الأمنية وطريقة فهمه لمصالحه. وكذلك يعد استمرار التنسيق الأمني لمكافحة ما يسمى الإرهاب واستقرار الحدود الجنوبية والتعاون في المجالات الاقتصادية الحيوية كلها مصالح تتطلب عدم انهيار الدولة ببنيتها الحالية وإنما الانتقال بها من نظام دكتاتوري قمعي إلى نظام آخر ربما يحقق بعض طموحات الثوار وغايات الثورة ولكنه لا يعمل على إسقاط  نظام المؤسسات الأمنية دفعة واحدة بكل تأكيد، وإنما الحفاظ عليه وذلك ناجم عن جهلهم بطبيعة النظام البديل القادم.

كل هذه العوامل دعت الدول الفاعلة في السياسة الدولية حتى الآن لعدم التعجل في الدفع باتجاه إسقاط النظام، إنما باتجاه ما يعطي الفرصة لإعادة ترتيب الأوراق على النحو الذي يوفر المناخ اللازم لعملية انتقال السلطة بما يضمن تحقيق المصالح المذكورة أعلاه بدل من إسقاط النظام، أو على الأقل إعداد البديل المناسب القادر على حماية هذه المصالح بما يملأ الفراغ الذي سينجم عن انحسار سلطة النظام وحتى لحظة سقوطه.

تنطلق الدول الغربية الفاعلة في هذا التصور من أن المناطق التي تنحسر فيها سلطة الدولة في منطقتنا ينشأ بها دائما تنظيمات مسلحة إسلامية ولهم في حزب الله وحركة حماس عبرة، وما ظهور التنظيمات المسلحة بشكل قوي وظاهر في المناطق المحررة إلا دليلا إضافيا على صحة ذلك، وبالتالي هم يريدون الوصول لحل سياسي يضمن استمرار الدولة وعدم تدمير ما تبقى من جيشها ومن أجهزتها الأمنية كي تستطيع إعادة فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية من جديد ومنع نشوء هذا الفراغ. ومن هنا فإننا نرجع عدم تزويد المقاتلين في سوريا بالأسلحة النوعية لسببين رئيسين:

أولا: عدم وجود جهة قادرة على استقبال هذا السلاح وضبط استخدامه بالصورة السليمة التي تمنع من ظهور أمراء حرب أقوياء بالشكل الذي يتعذر معه ضبطهم في المراحل القادمة، ولهذا الغرض سعت الجهود الدولية من خلال مؤتمر أنتاليا للكتائب العسكرية لوضع هيكلية هرمية للكتائب المقاتلة من أجل ضبط مرجعيتها ووضع آلية واضحة لطريقة اتخاذ القرار في داخلها وتمكينها في مرحلة لاحقة من استقبال السلاح النوعي وإدارة استخدامه.

ثانيا: من أجل عدم مساعدة الكتائب الموجودة حاليا على النمو والتطور قبل الوصول لتصور واضح عن شكل الدولة بعد رحيل الأسد وتصور واضح حول الكيفية التي ستتعامل هذه الكتائب مع الحكومة المركزية المقبلة.

أضف إلى ذلك أن القضية السورية هي إحدى الملفات التي تشغل الغرب وليس الملف الأهم ولا الرئيسي وبالتالي ليس من مصلحة أمريكا ولا أوروبا الدخول في حالة عداء مشرعة مع روسيا والصين من أجل حل الأزمة السورية طالما أن الجميع متفق على حماية مصالح إسرائيل في المنطقة بغض النظر عن طريقة تعاطيهم مع الملف السوري.

ولكن الحقيقة أنّ الرياح لا تجري دائما بما تشتهيه سفن الأمريكان والغرب. فالأشهر الأخيرة أثبتت أن الإنسان السوري يتمتع بإرادة لا تقهر وقدرات إبداعية عجيبة وتستحق الدراسة، إذ أن الثوار والمقاتلين لم ينتظروا الدعم الموعود من أحد وحصلوا على كم هائل من الأسلحة المختلفة بما فيها مضادات الطيران المحمولة على الكتف وصواريخ سام والصواريخ الحرارية عبر طريقين جديدين:

ـ أولا: من خلال مخازن الدولة العسكرية التي تساقطت في أيديهم الواحدة بعد الأخرى في حلب والرقة ودمشق وريفها. وما حصلوا عليه من خلال هذه المخازن يفوق بكمه ونوعه جميع ما تم تقديمه لهم من مساعدات في هذا المجال خلال الفترة الماضية.

ـ ثانيا: عن طريق التصنيع العسكري: الشعب السوري حيوي يتمتع بمهارات تقنية تصنيعية مميزة بالنسبة لظروفه الاقتصادية والسياسية وكنتيجة لتوقف الحياة الاقتصادية وعجلة التصنيع، فقد اتجه معظم الحرفيين والصناعيين لإبداع ما يحتاجونه من السلاح بأيديهم، مما دفع بالحكومات الغربية مرة أخرى لمحاولة تقديم لهم مثل ما استطاعوا تصنيعه محليا كي يعيقوا تطور هذا الاتجاه من الاكتفاء الذاتي.

الأشهر المقبلة قد تكون محورية في عمر الثورة، ففي حال أستيأست الحكومات الغربية من إمكانية فرض حل سياسي يحفظ لها المصالح المذكورة أعلاه فقد نتوقع تدخلا دوليا تحت مسمى قوات حفظ سلام من أجل محاولة فرض هذا الحل بعد أن يوقف تقدم الثورة على الأرض من خلال قرار فصل القوات، ولكن يبقى هذا الاحتمال جدا ضعيف في ضوء المعطيات الحالية، وقد يتطور بتغير المعطيات على الأرض، أو قد نتوقع تشكيل قوات سورية موالية لهذه الدول على طريقة الصحوات من أجل إدخالها في صراع مع باقي الكتائب وإشغال الداخل السوري بشقيه السياسي والعسكري بمواضيع المحاصصة السياسية وتقاسم النفوذ والقوة على الأرض.

لا زالت الثورة بحاجة لقيادة سياسية فاعلة منبثقة من الداخل السوري صاحب القرار والشرعية على الأرض،  قادرة على تمثيله ويثق بها وبأشخاصها كي تعمل على توحيد رؤيته وتوحيد صفه وتحقق له المكاسب السياسية للثورة، وإلا سننتقل إلى مرحلة الفوضى المدمرة التي قد تنتهي بسقوط النظام ودمار البلد دون توفير البديل القادر على تحقيق أهداف الثورة التي خرجنا جميعا لأجلها.

هذا الأمر لا يبدو اليوم مستحيلا وخاصة لدى عودة الحراك المدني في المناطق المحررة ومشاهدتنا للعمليات الانتخابية للمجالس المحلية في إدلب وبعض مناطق حلب والرقة وبالتالي السماح من جديد باستيلاد نخب مثقفة من رحم الثورة قادرة على قيادة المرحلة القادمة.

 

تم نشره على موقع كلنا شركاء في تاريخ ١٦ كانون ثاني ٢٠١٣

http://all4syria.info/Archive/66578