كيف تخطط لمشروع ناجح

Project Planing

فرضت ظروف الثورة في سوريا تحديات جديدة و متنوعة على الشباب الثائر وإضطرتهم لخوض تجارب كثيرة لم يسبق لهم بها تجربة و لم يكونوا مؤهلين تعليميا لها. و لعل أشهر الأمثلة أن معظم شباب الثورة تحولوا إلى مراسلين صحفيين و متحدثين إعلاميين و قادة مظاهرات و منسقين بين أطراف عديدة، و كم من طبيب فرضت عليه الظروف أن يعمل كمدير لمشفى ميداني  وكم من بائع متجول أصبح محاسب في تنسيقية و غيرها من الأمثلة التي لا تحصى. و لعل أخطر التحديات التي تعرضت لها الثورة و من يعمل لها هو إنشاء الكيانات الثورية والسياسية في الداخل والخارج والتي تحتاج إلى قدر كبير من العلم و الدراية والخبرات التنظيمية والإدارية مما لم يتوفر بالضرورة في أغلب الظروف.

 

 فالشريحة العمرية التي صنعت الثورة و بدأت بها كانت من فئة الشباب الذي لم يحظى بعد بفرصة خوض التجارب العملية في الحياة، كما أن البيئة التي نشأ بها هذا الجيل لم تعرف مؤسسات العمل المدني و الحزبي و التطوعي الجماعي، مما فرض على جيل كامل من الشباب أن يخوضوا تجربتهم الأولى في العمل الجماعي و المنظم في ظروف الثورة. فكانت الأشهر الأولى من الثورة بيئة خصبة لولادة الكثير من الكيانات و الأعمال الجماعية التي سعت لتشكيل إطار تنظيمي للعمل بهدف رفع فعاليته و زيادة الكفاءة و إستقطاب الجهود. إلا أن الأشهر اللاحقة أظهرت عجز هذه الكيانات عن التطور و الإنتقال إلى طور الفاعلية المنتجة. حاولت في دراسات و مقالات سابقة الوقوف عند أهم (أسباب عدم نجاح الأعمال الجماعية في الثورة).وأود اليوم أن أسلط الضوء على جانب هام أيضا و هو التخطيط السليم لأي مشروع قبل الشروع في العمل والمباشرة بالتجربة، حيث أن أغلب الأعمال في بيئة الثورة وجدت طريقها إلى التنفيذ دون أن تمر بمرحلة الدراسة المنهجية المعمقة على أسس واضحة و صحيحة. و كما هو معروف في عالم الأعمال فإن الدولار الواحد الذي يتم صرفه على التخطيط يوفر على الأقل عشرة دولارات لتصحيح المسار و تصويبه بعد تنفيذ.

والحقيقة أن كل تجربة هي في الحقيقة مشروع عمل و تحتاج إلى دراسة و تخطيط سليم في المقام الأول قبل البدء بأي خطوة تنفيذية. كما أن تخطيط و تنفيذ المشاريع يحتاج إلى خبرة و تجربة و يحتاج قبل ذلك إلى دراية و بعض المعرفة في علوم الإدارة و وضع الإستراتيجيات وقد لا يتقن بالضرورة كل إنسان هذا الفن. أدرك الكثير من الناشطين و العاملين في الحقل الثوري من خلال التجارب في السنتين الماضيتين لحقيقة أن الإنتقال إلى العمل المؤسسي المنظم و المدروس هو ضرورة من أجل الإرتقاء في العمل و الإنتقال إلى مرحلة جديدة من الفعالية و الكفاءة، تكون قادرة على التجاوب مع التحديات و المعطيات المستجدة. طلب مني البعض أن أكتب مقدمة بسيطة عن الطريقة المنهجية و العلمية في التخطيط للمشاريع الناجحة، و سأحاول فيما يلي إعطاء لمحة سريعة عن الأساسيات التي يجب أن يراعيها أي شخص يسعى للتخطيط لمشروع ناجح و آمل أن يجد القارئ فيها الفائدة و العون، مع العلم أن الموضوع أوسع بكثير من أن يختصر في مقالة و يعتمد أساسا على التجربة و على دراسة الحالة و حيثياتها التي تختلف دائما بإختلاف المشروع.

ماذا يعني التخطيط لمشروع؟

التخطيط لمشروع هو تحويل أفكار محددة إلى برنامج عمل من خلال خطة تنفيذية و إسناده إلى أشخاص مؤهلين ينفذونه وفق مخطط زمني واضح.

فالأفكار بدون مخطط تنفيذي هي كالطيور في السماء، و عندما يتم تأطيرها في مشروع له خطوات تنفيذية واضحة يتم تحويلها إلى جسم ملموس، يتم نفخ الروح به عند  إسناده إلى أشخاص مؤهلين قادرين على تنفيذه ضمن إطار زمني واضح. كما أن كل مشروع يمر بثلاثة مراحل: الولادة (التخطيط)، التنفيذ ثم الإنهاء و تسليم المخرجات أو إعلان النتائج.

أما مقياس نجاح أي مشروع فيكون من خلال محاكمة النتائج في نهاية الفترة الزمنية المقررة له مع الأهداف المرسومة للمشروع في بدايته.

كيف يمكن تحويل الأفكار إلى خطة تنفيذية؟

يجب الإنطلاق من الغرض الحقيقي الذي وضع لأجله المشروع و صياغته بأهداف واضحة و جلية، و هنا يمكن الإعتماد على مبدأ "سمارت" الذي وضعه جورج دوران لصياغة الأهداف والخطط التنفيذية حيث ينطلق من المبادئ التالية:

SMART: Specific، Measurable، Achievable، Realistic، Timely

أي أن الأهداف يجب أن تكون محددة بوضوح و دقة (Specific)، قابلة للقياس و التأكد من مدى تحقيقها  (Measurable)، قابلة للتحقيق (Achievable)، واقعية ضمن الأدوات المتاحة (Realistic)، و محدودة بإطار زمني (Timely).

سنتناول هذه المبادئ الخمسة بشيء من التفصيل:

  1. الأهداف يجب أن تكون محددة بوضوح و دقة (Specific) و هذا يكون عن طريق طرح الأسئلة الخمسة التي تبدأ بالكلمات الإنكليزية التالية: what، why، who، where، which ،أي  كما يلي:
  2. الأهداف يجب أن تكون قابلة للقياس ويمكن التأكد من مدى تحقيقها  (Measurable) أي أنه من الضروري وجود معايير لقياس مدى التقدم في العمل و تحقيق الأهداف و يوجد معايير للتأكد من الوصول للهدف المنشود.
  3. قابلة للتحقيق (Achievable): أي أنه يمكن تحقيق هذه الأهداف من خلال إستراتيجية تنفيذية سليمة. و ذلك يكون  من خلال توصيف المراحل و الأعمال اللازمة للوصول إلى الأهداف المنشودة و إسناد هذه الأعمال إلى أشخاص محددين يتمتعون بمهارات تؤهلهم للقيام بهذا العمل.
  4. واقعية ضمن الأدوات المتاحة (Realistic): بمعنى آخر أن هذه الأهداف هي ذات جدوى و معنى و تستحق هذا العناء و العمل. و هذا ما يسمى بدراسة جدوى المشروع.
  5. محدودة بإطار زمني (Timely): يجب تحديد إطار زمني لتنفيذ أي خطة. لا يوجد مشروع بدون إطار زمني

ماذا أريد أن أنجز بالضبط؟ كيف سأقوم بإنجاز ذلك؟ من سيكون له أثر في العمل الواجب القيام به؟ أين سيكون ذلك العمل؟ ماهي المتطلبات التي أحتاجها للقيام بالعمل و ما هي العوائق التي ممكن أن تقف في طريقي؟

فعلى سبيل المثال لنفترض أننا نريد التخطيط لإشادة  جمعية إغاثية طبية و نود وضع دراسة و مخطط لها. البداية تكون من خلال طرح جملة من الأسئلة. على سبيل المثال لا الحصر:

  • هل الهدف منها مساعدة المحتاجين أم الهدف منها تشغيل طاقم من الموظفين و الأطباء الباحثين عن عمل
  • هل الهدف منها تقديم خدمات مجانية للمجتمع أم بيع الخدمات بسعر التكلفة للمحتاجين (أدوية، خدمات طبية، و غيرها)
  • هل الهدف هو تغطية الخدمات الطبية في منطقة ما بالكامل أم مساندة مشافي موجودة، وما هو عدد المرضى الذين سيعالجهم المستوصف في اليوم؟
  • هل هناك هدف سياسي وراء العمل الإغاثي، أم أنه مجرد عمل خيري و خدمة للمجتمع بسبب وجود عجز في هذا المجال؟
  • هل هناك هدف ربحي وراء عمل الجمعية، أم أنها جمعية لا ربحية؟
  • أين ننوي إنشاء هذه الجمعية؟ هل هناك إمكانية لبناءها في المنطقة المرغوبة أم أنه لا يمكن إيصال مواد البناء للمنطقة المستهدفة؟ في حال تم بناءها، هل يمكن تزويدها بالمعدات ولأطباء، أم أن المنطقة غير متوفرة على أطباء و محاصرة لا يمكن إيصال معدات طبية لها؟
  • هل هناك جمعيات أخرى تقدم نفس الخدمات في المدينة المزمع العمل فيها؟
  • هل الأنسب تحويل الجرحى لقرية أو مدينة مجاورة لديها جمعية طبية أم أننا فعلا نحتاج إفتتاح مستوصف في هذه المدينة؟
  • هل الأنسب أن نفتتح عيادة؟ أم مستوصف أم مشفى؟
  • متى يتوجب على الجمعية المباشرة بالعمل؟ في حال تأخرت، هل سيتم إفتتاح جمعيات أخرى من أشخاص آخرين؟
  • من هي الجهات الممولة لهذا العمل؟ و هل يمكن التواصل معها و الحصول على تمويل منها؟
  • من هو الفريق الذي سيقوم بالعمل في الجمعية؟ هل لدي القدرات و الشبكة اللازمة للوصول للكفاءات اللازمة؟
  • في حال كانت الخدمات مدفوعة، فهل يتوفر الأهالي على القدرة الشرائية لدفع ثمن الخدمات؟
  • كم طبيب و ممرضة أحتاج لعلاج ٢٠ مريض يوميا؟

Team Arbeit

للإجابة على الأسئلة أعلاه نحتاج أولا معلومات موثوقة و صحيحة. بعد الإجابة عليها و نقاشها مع أشخاص مختصين و أصحاب خبرة يمكن لنا الوصول لإجابات نصوغها في خطة مشروع كما يلي:

١ الهدف: جمعية إغاثية طبية غير ربحية و لا تتبع لأي جهة سياسية، تقوم بتقديم خدماتها في مدينة مورك في ريف حماة و لديها القدرة على معالجة 300 مريض في الأسبوع و تتسع ل 70 سرير.

٢ المتطلبات و الإحتياجات نتيجة المعلومات و البحث الذي تم إجراءه:

            (هدف واضح و محدد و قابل للقياس و قابل للتحقيق)

          بناء مساحته ٩٠٠ متر مربع في قلب مدينة موروك على أن يكون الوصول له من خلال شارعين على الأقل ممكن.

         طاقم من ٨ أطباء و ٢٢ ممرضة و محاسب و مدير و بواب و سائقين و ٤ مستخدمين

        سيارتين إسعاف مجهزتين

        الأجهزة الطبية التالية: ..

        يمكن أن تطول القائمة

٣ الخطة التنفيذية:

تقوم الخطة التنفيذية بإسناد مهام محددة لأشخاص محددين خلال إطار زمني معين. كأن نقول:

مهمة ١: البحث عن المكان المناسب لتشييد الجمعية الطبية، مسؤولية زيد و يجب إنجاز هذه المهمة خلال ٣٠ يوم و تعتبر المهمة منجزة في حال كان المكان الذي تم إيجاده يحقق المتطلبات كما هي موصوفة في قائمة المتطلبات و نال موافقة مدير المشروع.

مهمة ٢: البحث عن الكفاءات الضرورية لعمل المشفى و التعاقد معها: مسؤولية فلان و يجب إنجاز هذه المهمة خلال ٩٠ يوم و تعتبر المهمة منجزة في حال كانت الأشخاص التي تم التعاقد معها لديها الكفاءات الموصوفة في قائمة المتطلبات و الإحتياجات و نالت  موافقة مدير المشروع.

مهمة٣: و هكذا

يمكن الإستعانة بجدول راسي لتوزيع المسؤوليات RACI. يمكن قراءة المزيد عنه في صفحات الإنترنت.

 

٤ الجدول الزمني: يجب وضع مخطط زمني لكل المهام الواجب تنفيذها و مراعاة عدم تضارب الخطوات التنفيذية.
٥ الميزانية: يجب دراسة تكاليف الخطوات التنفيذية للمشروع بشكل واقعي و الإستعانة بأصحاب الخبرة من أجل تجنب المفاجآت السلبية. و يجب بعد ذلك التفكير بطرق الحصول على التمويل المناسب لتغطية هذه التكاليف و ذلك يكون عادة من خلال البحث عن أصحاب المصلحة في هذا المشروع.

 

يجب في كل مشروع مراعاة عدم تضارب المصالح كي ترتفع فرصه في النجاح. فعلى سبيل المثال وجود مستوصف خاص في المدينة في مثالنا السابق يعمل لقاء أجر سيتضرر بشكل كبير من مشروعنا و سيسعى نتيجة لذلك لإفشال المشروع بكل الوسائل. إذا كان أصحاب المصلحة لهم حصة في ذلك المستوصف فلا يمكن لنا التعويل على تمويلهم أو على إستمرار دعمهم. و في حال كان أحد شركائي من المالكين لمستوصف في القرية الكبيرة فسيعتبر مشروعي هذا منافس له.  أحد أهم أسباب النجاح هو إستكشاف أسباب تضارب المصالح في وقت مبكر و معالجتها بشكل سليم.

لعل في هذه العجالة عون و مدخل لكل من يرغب بإدارة مشاريع ناجحة. مع العلم أن الموضوع جدا واسع و هناك مجلدات و كتب كثيرة تتكلم حول علم إدارة المشاريع و التخطيط لها. كما أنه لا بد من الإشارة لأن أي مشروع ناجح يكون عادة نتيجة للعديد من التجارب الفاشلة التي سبقته. حيث أن أولى التجارب تكون غالبا غير ناجحة.

 


 

مقال تم نشره في جريدة الجسر الإلكترونية في تاريخ ١٦ نيسان ٢٠١٣ تحت الرابط التالي: اضغط هنا