social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • صعود اليمين الشعبوي في ألمانيا

  • رحلة الحج بين الروحانية والعولمة

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

رحلة الحج بين الروحانية والعولمة

يعد الحج أحد أركان الإسلام الخمسة لمن استطاع القيام به وتحمل نفقاته. فبعد الشهادتين وصيام رمضان وإيتاء الزكاة يأتي الحج كفريضة يجب على كل مسلم أداؤها مرة واحدة على الأقل. أما من الجانب الشعوري فإن الحج يعد رحلة قصيرة تعمل على إخضاع الروح والجسد لتجربة فريدة تساعد الإنسان على إعادة ضبط بوصلته وتركيز طاقاته في الإتجاه الصحيح. فالحج في جوهره هو رحلة في الذات للتفكر في موقع هذا الإنسان ومعنى وجوده ودوره في هذا العالم. وكذلك للتفكر في كيفية التعامل مع الحياة بما يحفظ سلامة الروح والجسد خلال السعي اليومي من أجل استمرار الحياة. إلا أن العولمة والحداثة لم تقف عند أبواب مكة, وشعائر الحج لم تكن في منأى عن تأثير العولمة. فماذا تغير؟

 

مناسك الحج ومعانيها

تبدأ هذه الرحلة بالإحرام، حيث يرتدي الرجل الحاج عادة منشفتين: إحداهما تستر العورة والأخرى تغطي نصفه العلوي. أما المرأة فترتدي ما تشاء من اللباس الساتر دون أن تتقيد بلون محدد. ويحرم على المحرم تقليم الأظافر والتطيب أو الجماع. يعبر الإحرام على المستوى الفردي عن التواضع والفقر والخضوع لله من خلال ترك الألبسة والعطور الفاخرة وخلع الاحذية المريحة. أما على المستوى الاجتماعي فهو تعبير عن المساواة بين المسلمين جميعا أمام الله. فلا فرق بين غني أو فقير ولا أبيض أو أسود ولا حاكم أو محكوم. فالجميع يرتدي نفس المناشف التي تشبه الكفن، فلا يمكن التمييز بين المراتب الاجتماعية في هذا المقام. ثم ينتقل الحجاج للمبيت في منى في الثامن من ذي الحجة وهي واد قريب من مكة كي يتحضروا روحيا لليوم التالي، يوم عرفة الذي هو الركن الأساسي في الحج. ففي صباح التاسع من ذي الحجة يتوجه الحجاج إلى عرفات. وهو جبل صغير يقع على بعد ٤ كلم من منى. يعكس الحج يوم عرفات صورة مصغرة عن اليوم الآخر وحالة البعث والحشر. فالناس جميعها تتجه إلى نفس المكان مرتدية مناشف بيضاء تشبه الأكفان. يرافق هذا الزحف إلى عرفات ازدحام شديد ورهبة وفقدان لكل ما يزيد عن امتلاك ما يستر العورة.

يقف الحجاج في عرفات ويطلبون من الله المغفرة ويرجون الجنة ويتفكرون في ما بقي لهم من حياتهم. ثم ينتقلون بعد المغيب للمبيت في مزدلفة. وفي الصباح يتوجهون لرجم الجمرات. حيث يلقي الحجاج عددا محددا من الحصى على حائط معين في إشارة رمزية لرفض سلطان الشيطان على الإنسان ولرفض النفس الأمارة بالسوء ولقمعهما. ثم ينتقل الحجاج بعدها للطواف حول الكعبة تأكيدا لمعنى توحيد العبودية في الإسلام، ثم السعي بين الصفا والمروة والتحلل أي حلق بعض شعر الرأس أو كل الشعر. وبهذا يكون الحج قد انتهى ويمكن للحجاج العودة إلى لباسهم الطبيعي.

فالحج بهذا المعنى هو رحلة تغيير ذات بداية ونهاية محددتين تقع بينهما إجراءات معرفة بدقة تقوم على الزهد بالدنيا والتواضع لله وللآخرين. يبدأها الحاج بنفسه وهو مادتها وموضوعها. وعند الانتهاء منها يصبح الحاج في حالة وجودية وشعورية تختلف تماما عنها عند البداية حيث تتروض روحه ويجرب جسده حياة التقشف لعدة أيام. ومن المفترض أن يترتب على هذا الاختلاف في الحالة الشعورية اختلاف مقابل ينعكس في السلوك اليومي بعد انتهاء الحج. ومقدار هذا الاختلاف هو أحد مؤشرات نجاح هذه الرحلة بسبب الترابط البنيوي في العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح في الدين الاسلامي.

إن معظم مناسك الحج مرتبطة بما جرى مع نبي الله إبراهيم عليه السلام في مكة عندما أمره الله بترك ابنه الوحيد إسماعيل في وسط الصحراء وحيدا مع أمه. ثم أمره بعدها بذبحِه عندما صار شابا. في عالم تحكمه المادة قد تبدو المناسك والشعائر أعلاه ضربا من الإرهاق غير المبرر وغير المفهوم, فقد ترك إبراهيم رضيعه مع أمه هاجر في الصحراء رغم تعذر فهمهم لهذا الأمر وصعوبته على النفس. فسعت أمه هاجر بين جبلي الصفا والمروة سبع مرات. وفي كل مرة كانت تصعد لأعلى الجبل باحثة عن الماء أو عن أي شيء يتحرك في الأفق. لكن الله فجر لهم نبع زمزم و ساق لهم الرزق وتولاهم بعنايته حتى كبر الرضيع وصار شابا حسب الرواية القرآنية. وبعدها عمد إبراهيم إلى تنفيذ أمر الله بذبح ابنه الشاب بعد أن وافق ابنه على ذلك رغم عدم فهمهم المعنى المقصود من هذا الأمر. إلا أن الله نجّا إسماعيل وفداه بكبشٍ عظيم كما ورد في القرآن وفي الكتاب المقدس.  ومن هنا خلد الله قصة سيدنا إبراهيم في مناسك الحج كي يعطي المؤمنين الفرصة لإعادة تجربة الالتزام بأوامر الله والمشي على خطى أبيهم إبراهيم في طاعة الله المطلقة. والحج المقبول جزاؤه الجنة في الآخرة حسب الاحاديث المنقولة عن النبي محمد. وفي الدنيا يتولى الله عباده بالرعاية كما تولى إبراهيم وإسماعيل وهاجر في رحلتهم.

الحج في عالم معولم

اليوم في عالمنا الذي تضبط العولمة أذواقه ومعاييره، لم يعد عند الكثيرين من الضروري فهم كل المعاني وراء مناسك الحج. بل يمكن إعادة تعريف الحج والعمرة وفق مصطلحات العصر على أنهما سياحة دينية يمكن أن توفر المتعة والرياضة الروحية لروادها، كما أنها تشكل أحد مصادر الدخل الرئيسية للمملكة. ويمكن إعادة تعريف مناسك الحج على أنها إجراءات ذات ترتيب معين، واجبة الأداء من أجل اكتمال هذا الفرض. فأصبحت الشعائر لدى الكثير من الحجاج طقوسا آلية. فمن يزور مكة اليوم سيجد في الطواف حول الكعبة العديد من الحجاج الذين ينقلون طوافهم عبر تقنية البث المباشر على الفيسبوك ليشاركوا تجربتهم مع الآخرين. كما يمكنك مشاهدة العديد من الحجاج الذين يأخذون صور السلفي لهم عند باب الكعبة أو عند أستارها. والبعض منهم يجري مكالماته الهاتفية أثناء السعي بين الصفا والمروة، وكأنه وقت ضائع يجب ملؤه بنشاطات إنسانية منتجة. لم تترك وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للخصوصية حتى في العلاقة بين العبد وربه. وقد يخذلك الحظ فتحضر شجارا على أحقية الدور في تقبيل الحجر الأسود قد يتم فيه التدافع بالأيدى. ففي عالم اليوم أصبحت العبادات تشبه الوجبات السريعة التي نملأ بها معدتنا على عجل دون أن تعود على أجسامنا بفائدة تذكر سوى إرواء حاجاته الآنية للطعام. كما أن الترابط بين الإيمان والسلوك الصالح أخذ بالاضمحلال.

وفي حال نظرت إلى الأعلى ستجد العديد من ناطحات السحاب التي تطل على الحرم وتجعل الكعبة تبدو كنقطة صغيرة تائهة في زحام الكتل الاسمنتية حولها. وقد حدث أن كنت على سطح الحرم وطلبت من أحدهم أن يأخذ لي صورة. ففعل وقال: لقد صورت لك برج الساعة كاملا. فأجبته في هذا الموضع تمنيت لو أنك صورت لي الكعبة كاملة. ولكن هذه القصة على بساطتها تصف الانزياح في التركيز في وعي الناس. فالبرج أصبح هو المهيمن على المكان وليس الكعبة. أما إذا خرجت من الحرم فستجد العديد من محلات الوجبات السريعة على باب الحرم مباشرة وخاصة ماكدنولدز وبورغر كينغ في حين قد لا تجد أي محل يقدم الوجبات المحلية. وكذلك يحاط الحرم بعدد كبير من المولات والفنادق الضخمة التي قد تصل كلفة الغرفة الواحدة فيها إلى عشرة آلاف دولار في الليلة. فبعد أن كان الحج يقوم على ثقافة الزهد في الدنيا والمساواة بين الناس، نجحت العولمة في التمييز بين الغني والفقير في العديد من المناسك. إلا أن الأخير قد لا يتمكن أساسا من الوصول إلى مكة، فللسياحة تكاليف مرتفعة حتى لو كانت دينية.

لقد كانت مكة المكرمة مدينة معولمة على مر العصور. حيث كانت مفتوحة لجميع الحجاج حتى قبل الاسلام. وتحولت عبر العصور إلى ملتقى ثقافي وحضاري للعديد من الأعراق والقوميات. إلا أنها اليوم دخلت عصر الدولة الحديثة ذات التخطيط المركزي والمذهب الواحد. وهذا أدخلها بدوره إلى عالم العولمة الحديث القائم على الاستهلاك السريع والربح السريع. فبعد أن كانت أسواقها ومرافقها قائمة على فلسفة خدمة الحجاج، أصبحت منشآت المدينة اليوم قائمة على فلسفة الاستهلاك ومعاظمة الأرباح. لا مكان للزهد والتقشف ولا إمكانية للشعور بالمساواة.

لم تخسر مكة المكرمة كمدينة تراثها الإنساني والحضاري العريق فحسب، بل خسرت انسجامها مع روحها ومكانتها كعاصمة مقدسة. فمكة اليوم ربما أصبحت مدينة حديثة ومريحة إلا أنها مدينة بلا تاريخ وبلا هوية. لا أثر فيها لبيوت أو آثار الصحابة الكرام ولا أثر لقصص السيرة. إنها اليوم بقعة صغيرة مقدسة (الكعبة) محاطة بعدد هائل من الفنادق الفارهة وناطحات السحاب. تليهم أحياء فقيرة وعشوائيات.

حال مكة المكرمة اليوم لا ينفصل عن حال العديد من الحواضر العربية في الشرق اليوم. حيث تغلبت الكتل الاسمنتية الصماء على الطراز المعماري العربي ذي الفناء المفتوح والموصول بالسماء. وانتصرت الأنانية في السلوك ومعاظمة الأرباح في الأعمال على تراث الأوقاف والتكافل الاجتماعي الذي ساد المنطقة لقرون عديدة. والذي كان من الممكن أن يتحول إلى مؤسسات وطنية حديثة ولكن هذا لم يحصل. بل انتشرت ثقافة الوجبات السريعة في أغلب المدن العربية حتى أنك لا تكاد تجد في بعض هذه المدن مطعما يقدم الوجبات المحلية. لذلك قد لا يكون حال مكة المكرمة إلا انعكاسا لحال العالم الإسلامي، حيث تاهت الهوية بين تراث مهمل وتعلق بالقشور وحداثة مصطنعة دون تحديث حقيقي. ومن هذا المنظور، ربما يحمل تشييد برج الساعة نفس الرمزية التي حملها انهيار حائط برلين لدى انتصار الرأسمالية الليبرالية على الشيوعية التي كانت عاصمتها موسكو آنذاك.

الحج تجربة فردية

وفي الختام، رغم كل ما حملته العولمة من تغيرات هائلة على ظروف الحج ومناسكه، إلا أن رحلة الحج تبقى تجربة فردية بامتياز. كل شخص يملك القدرة على الغوص في معانيها والبحث عن ذاته فيها. قد تقف أو تجلس في عرفات وتغمض عينيك وتلجأ إلى الله في الدعاء فتحصل السكينة والطمأنينة. قد تتمسك بأستار الكعبة وتدعو الله متضرعا أن يفرج عنك وأن يعينك على نفسك. أو قد تصعد إلى سطح الحرم واضعا الأبراج الضخمة وراء ظهرك والكعبة أمامك تتأمل حركة الناس المنتظمة حولها متعبدا الله بالذكر والتوحيد. كسائر العبادات في الإسلام، فإن الحج يقوم على علاقة خاصة بين العبد وربه. علاقة قائمة على المحبة والصدق والالتزام، لا على المظاهر والطقوس. علاقة تدفعها الرغبة بالاتصال بالله والشعور برعايته والخوف من الانقطاع عنه. ولازال كل حاج يملك أن يؤسس لهذه العلاقة ويرعاها مهما تبدلت الظروف وتغيرت أنماط الحياة.

 


 تم نشره على موقع قنطرة في ٢١ أيلول ٢٠١٧ تحت الرابط التالي: اضغط هنا

 

 

البحث

Powered by MIB 2014