social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

  • رهانات العولمة في طريق مسدود

  • تأسيس ونشوء الأحزاب السياسية في الواقع السوري الراهن

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

ســـراب إمكانية إصلاح الدولة في سوريا

في الفترة ما بين ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٧

"إلى شعب يرنو للحياة والحرية، إلى شعب شبع الموت والمذلة" يهدي الدكتور عامر غراوي كتابه "السراب, إصلاح الدولة في سوريا  من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٧" الصادر عن دار كلاوس شفارز الالمانية في برلين. عمل د. غراوي منذ عام ٢٠٠٢ في مؤسسات دولية مختلفة كان لها دور هام في دعم مشروع اصلاح الدولة والمؤسسات الحكومية في سوريا.

فقد سعت العديد من الدول الغربية لدعم جهود بشار الاسد الذي خلف والده في رئاسة سوريا، حيث جرى تسويقه في ذاك الوقت عالميا على أنه الرئيس الشاب والعصري الذي يسعى لقيادة عملية تحديث وعصرنة الدولة السورية. فارسلت عدة دول غربية فرق من الخبراء والاستشاريين لمساندة جهود تحديث الدولة واصلاح مؤسساتها للتحول من اقتصاد الدولة المركزي في سياق حكم شمولي عسكري إلى اقتصاد السوق المفتوح في إطار مجتمع تعددي ويحترم الحريات العامة والفردية.

 

إلا أن هذه الجهود سرعان ما اصطدمت بالعوائق والممانعة من ثلاث عوامل مختلفة: طبيعة النظام ومجموعات الضغط الداخلية التي تعتمد على شبكات المصالح والفساد المتغلغلة في عمق الدولة السورية على مدار العقود الاربعة الاخيرة، و كذلك الاحداث الاقليمية وانعكاساتها. عمل د.غراوي منذ عام ٢٠٠٢ في قلب هذه الدوائر، وشهد عن قرب لحظات ولادة الامل بالاصلاح والتحول الديمقراطي الذي أشاعته اجواء ربيع دمشق القصير، ثم كان جزء من محاولات الاصلاح التي أدرك القائمون عليها فيما بعد أنها ليست سوى سرابا. ومن هنا كان عنوان كتابه "السراب" الذي قام من خلاله بتحليل أسباب فشل تجربة الاصلاح في سوريا كي تكون وثيقة تاريخية تحلل لمرحلة هامة في تاريخ سوريا كان لها ما بعدها. فلا يمكن اليوم فهم الثورة السورية وأسبابها بدون فهم السياسات العامة التي اتبعتها الدولة السورية في العقد الاخير الذي سبق الثورة. يقع الكتاب في ٣٨٠ صفحة موزعة في خمسة فصول بالاضافة للمقدمة والخاتمة. ويتوجه بشكل أساسي للمختصين في مجال الإدارة العامة والتنمية في الدول الغير ديمقراطية. في الفصل الثاني "متحولات عملية الاصلاح العامة" قام الكاتب بشرح منهجية الدراسة والمقاربة التي قام عليها التحليل. ثم قام في الفصل الثالث "إصلاح الدولة بين ٢٠٠٠ والـ ٢٠٠٧" بتوصيف واقع الإدارة العامة في عام 2000 ثم ما كان ينتظر من عملية الإصلاح وصولا إلى نتائج الاصلاح بعد انتهاء الفترة الرئاسية الأولى في 2007. حيث حلل الكاتب دورة الفعل وردة الفعل الناشئة عن الضغوطات الخارجية على النظام السياسي السوري والضغوطات الداخلية الناجمة عن مجموعات الضغط الداخلية والتي ضمت شرائح البيروقراطية السورية ورجال الاعمال الجدد وكذلك الجيش والمخابرات. ثم خلص الكاتب إلى أن سياسات النظام ارتكزت على إدارة تضارب المصالح مع الولايات المتحدة بشكل خاص والغرب بشكل عام، فكانت عملية الاصلاح في خدمة السياسة الخارجية بدل أن تكون السياسة الخارجية في خدمة الاصلاح الداخلي وعملية تحديث الدولة. أما الفصول التالية: "القيادة السياسية"، "مجموعات الضغط المحلي" و "الجغرافيا السياسية الإقليمية" فقامت بتقديم المزيد من الشرح حول العوامل الثلاث وآلية عمل كل منها. مع التأكيد بأن الرئاسة السورية كانت المفصل الاهم في عملية الاصلاح لتمتعها بصلاحيات واسعة. إلا ان الرئاسة السورية استعملت عملية الاصلاح كأحد الوسائل من أجل تحقيق تقارب أكبر مع الغرب، في حين أنها لم تقم بتنفيذ إلا بعض الاجراءات الاصلاحية الجزئية التي ساعدتها على تثبيت سلطاتها المطلقة وتدعيم استقرارها. بينما كانت أي اجراءات اصلاحية يمكن لها أن تؤثر على صلاحيات أو سلطات الرئاسة تشكل خطوط حمراء لمختلف الفاعلين والمشاركين في عملية الاصلاح.

وحسب الكاتب فقد كانت خطة الاصلاح تقتضي البدء بالمجالات الادارية والاقتصادية حيث كان يسود الاعتقاد أن التقدم بهذين المجالين سيحرضان على التقدم في المجال السياسي في مرحلة لاحقة. وقد اصطلح على ذلك بتوسيع هوامش الخطوط الصفراء (الاصلاحات الادارية والاقتصادية) حتى تصل إلى الخطوط الحمراء (الاصلاحات السياسية). إلا أن النظام السوري عمد لانتقاء اجراءات اصلاحية محددة من ضمن حزم متكاملة مصممة للتنفيذ كحزم اصلاحية للاقتصاد ولإدارة الدولة. الامر الذي أدى إلى خلق مضاعفات سلبية وزيادة حدة الأزمة من حيث النتيجة. فرغم أن هذه الاصلاحات الجزئية ساعدت على النهوض بنسب النمو رغم انخفاض مساهمة صادرات النفط في الموازنة العامة خلال هذه الفترة، إلا أن عوائد هذا النمو كانت تخدم شرائح محدودة جدا ومقربة من النظام السياسي وليس المجتمع السوري ككل، هذه الانتقائية في تنفيذ الاصلاحات وغياب العقد الاجتماعي الجديد أدت إلى تسريع عملية انفجار المجتمع التي شهدتها سوريا في الـ ٢٠١١ على شكل ثورة شعبية شاملة.

يوجز الكاتب أهم اسباب فشل عملية الاصلاح في سوريا هو افتقادها لوجود أي ضغط شعبي أو ضغط من مجموعات مصالح داخلية تدفع باتجاه تحقيق الاصلاحات. ثم يخلص الكاتب إلى أنه يمكن عزو فشل عملية الاصلاح لثلاث جهات رئيسية، أولا: رئاسة الجمهورية وذلك لتمسكها ببقاء سلطتها عن طريقة ادارة مصالحها الخاصة عبر شبكات المحسوبية القائمة والتي تجذرت بشدة خلال العقود الاربعة الماضية دون مراعاة المصلحة الوطنية.

ثانيا: مجموعات الضغط الداخلية والمكونة بشكل اساسي من مجموعات غير منتجة إلا أنها تتحكم بنواتج الدولة ونواتج الاقتصاد الخاص عبر امتيازات حصلت عليها خلال العقود الاربعة الاخيرة. وبالتالي فإن عملية الاصلاح ستجرد هذه المجموعات من امتيازاتها. بل على العكس من ذلك، فإن هذه المجموعات استخدمت برنامج الاصلاح لتمرير اجراءات اصلاحية جزئية تزيد من قدرتها على احتكار قطاعات اقتصادية محددة، وتزيد بالتالي من امتيازاتها.

ثالثا: السياسة الامريكية التي فرضت على النظام السوري عقوبات سياسية واقتصادية من أجل أن يغير سلوكه السياسي ودوره في المنطقة، إلا أنها لم تطالبه بإجراء أي اصلاح داخلي ولم تقدم له أي نوع من المحفزات للشروع في عملية الاصلاح والتحديث. بل على العكس من ذلك، فإن الجهود التي مارستها الولايات المتحدة لمنع سوريا من الانضمام لاتفاقية التجارة العالمية واتفاقية الشراكة المتوسطية تركت آثار سلبية جدا على تطبيق حزم الاصلاحات التي كانت مرتبطة بدخول سوريا في هذه الاتفاقيات.

يخلص الكاتب في خاتمة كتابه إلى أن معضلة الاصلاح في الدول الديكتاتورية هي اقناع السلطة بالتنازل عن جزء من صلاحياتها لصالح المجتمع والقطاع الخاص من أجل النهوض بقدرات المجتمع والنهوض بالاقتصاد. هذا التنازل سيؤدي إلى اضعاف السلطة السياسية الشمولية. إلا أن واقع الدول العربية اليوم أثبت أن البديل هو الثورات والخراب ودمار الاوطان، وبالتالي فإن عملية الاصلاح وما يرافقها من تنازلات سلطوية تبقى أقل كلفة من جميع البدائل الاخرى.

يعد كتاب د.غراوي من الكتب القليلة التي تناولت بنية النظام السوري والدولة السورية بالتحليل الاقتصادي والاجتماعي بناء على معلومات واحصائيات دقيقة. فكما هو معروف فإن سوريا منذ وصول البعث إلى السلطة كانت أشبه بجزيرة منعزلة لا يرشح من داخلها إلا القليل من المعلومات ذات المصداقية. الامر الذي يجعل هذا الكتاب احد المراجع التي لا يمكن الاستغناء عنها لأي باحث مهتم بالشأن السوري.


 تم نشره على موقع العربي الجديد في  في ١٥ أيلول ٢٠١٥ تحت الرابط التالي: اضغط هنا

 

البحث

حقوق إعادة النشر متاحة لكل من يرغب شرط الإشارة للمصدر

Powered by MIB 2014