social-media-icons-57x57
 facebook
 googleplus
 twitter
linkedin

logo16

  • صعود اليمين الشعبوي في ألمانيا

  • رحلة الحج بين الروحانية والعولمة

  • مهارات النجاح في الزمن الصعب

  • الفكر الإسلامي بين الجمود ومبادرات التحديث

  • تفاهمات روسيا وتركيا وإيران...في الميزان

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

السلطة السوداء

فيما يلي مراجعة لكتاب السلطة السوداء لمؤلفه كريستوف رويتر تم نشرها على موقع الجزيرة نت.

"يرى الإنسان ما يعرف أو ما يريد أن يراه. توقعاتنا حول تنظيم الدولة ساهمت في مساعدته للوصول إلى ما هو عليه الآن. فتحت ذلك السطح السميك من التطرف والتعصب كان ينضج هناك كائن حي مرن وذكي جدا, حيث استطاع أن يبز جميع من سبقوه. لقد قللنا من أهمية هذا التنظيم."

بهذا الجملة يفتتح كريستوف رويتر كتابه "السلطة السوداء" الذي يصف فيه ظهور تنظيم داعش في سوريا وتطوره. يقع الكتاب في ٣٥٢ صفحة من القطع المتوسط وصدر قبل أيام في نهاية شهر نيسان ٢٠١٥ عن دار النشر الالمانية آنشتلات أو ما يعرف اختصارا بـ ديفا.

 

أما المؤلف كريستوف رويترز فهو من أبرز الصحفيين الالمان العاملين في العالمين العربي والاسلامي، حيث أنه غطى أغلب الحروب في هذه المناطق خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية: في أفغانستان، وفي الشيشان وفي البوسنة وفي العراق. حيث عمل لصالح مجلة "شتيرن" وصحيفة "دي تسايت" ويعمل منذ الـ ٢٠١١ لصالح "الدير شبيغل" الشهيرة. كما أنه ألف كتابين في الـ ٢٠٠٢ و في الـ ٢٠٠٤ أحدهما بعنوان "قهوة بغداد" تحدث فيه عن الحياة في العراق في ظل الحرب والحصار، أما الثاني فكان بعنوان "حياتي كسلاح" تحدث فيه عن العمليات الانتحارية التي أرهقت القوات الامريكية في العراق وفي أفغانستان.

يقع الكتاب الجديد في اثني عشرة فصلا، يبدأها بفصل "خليفة الشتازي" حيث يقصد بالشتازي جهاز المخابرات الذي حكم دولة ألمانيا الشرقية أثناء فترة الحرب الباردة قبل انهيار جدار برلين. يرى المؤلف أن تنظيم الدولة في جوهره ليس إلا جهاز استخبارتي متغول يعمل على إقامة دولة له. ويورد قصة حجي بكر أو سمير عبد محمد الخليفاوي الذي كان يعمل عميدا في مخابرات الدفاع الجوي العراقية قبل حلها، على أنه المخطط الاستراتيجي الاهم لتنظيم الدولة. حيث يورد المؤلف العديد من الوثائق لمخططات ولهيكليات وجدت في منزل حجي بكر في منزله في تل رفعت بعد مقتله على يد الثوار السوريون في كانون الثاني في ٢٠١٤. هذه الوثائق تنشر لأول مرة في كتابه وتعطي فكرة عن الهيكلية المنشودة لدولة داعش التي كان يخطط لها حجي بكر قبل مقتله، كما أنها تشرح الاساليب والتكتيكات المتبعة لبناء هذه الدولة.

يقول كريستوف أن جميع الاحداث التي تلت مقتل حجي بكر تأكد تمسك التنظيم بتعليماته وخططه بشكل كامل. حيث يقوم في الفصل الثاني من كتابه بعنوان "بدايات متقلبة" بشرح العلاقة المتعثرة لتنظيم الدولة بتنظيم النصرة. فقد شرح المؤلف الاختلافات والفروق بين التنظيميين من خلال البدء بما اعتبره الولادة الاولى لهما منذ لحظة ظهور أبو مصعب الزرقاوي وصولا لمعاركهما البينية الاخيرة. وفي سياق هذا الاستعراض التاريخي يسعى لإثبات نظريته التي أوردها في الفصل الاول والتي ترى تنظيم الدولة كوريث لاجهزة مخابرات نظام صدام وأغلب ضباطه البعثيين. في حين يعمل الخطاب الاسلامي على اضفاء شرعية تاريخية ودينية على أعمال التنظيم ويضمن له المدد المالي والبشري اللازم لاستمراره.

الجديد الذي يضيفه في هذا الفصل هو ايراد العديد من الحوادث والاشارات والادلة التي تثبت تورط المخابرات السورية في دعم تنظيم داعش والتعاون معه ليس فقط خلال السنوات الاخيرة، بل منذ احتلال العراق في الـ ٢٠٠٣.

في الفصل الذي يليه يتحدث كريستوف عن ظاهرة المقاتلين الاجانب لدى داعش مستعرضا أهم تشكيلاتهم. حيث تشكل هذه الظاهرة مصدر قلق للأوروبيين، خاصة أن بعض هؤلاء الاجانب قد يعود إلى بلده ويصبح هو مصدر تهديد لدولته.

في الفصل الرابع "خريف الخوف" يستعرض كريستوف التكتيكات التفصيلية التي اتبعها تنظيم الدولة لاختراق الثورة السورية واكتساح المناطق المحررة من سلطة الاسد في المرحلة التالية. حيث يلخص ذلك بأن الخطة دائماً تبدأ بنفس التفاصيل: تجتذب المجموعة تابعيها عبر افتتاح مكتب دعوي. ثم يتم اختيار شخص أو شخصين ممن يحضرون الدروس والندوات الدينية ويوكلون بمهمة التجسس على قُراهم للحصول على معلومات عديدة. ثم يتم تحديد الاشخاص المؤثرين والقادة العسكريين ورسم خريطة لتوجهاتهم وميولهم. كما يتم الحرص على الاحتفاظ بتفاصيل مخزية لهم، كالسوابق الإجرامية أو الميول الجنسية الشاذة أو الارتباط بعلاقات غرامية، وذلك لاستخدام هذه المعلومات بهدف الالبتزاز لاحقاً. ويتابع كريستوف بأن حجي بكر كتب في مذكراته "سنعين أذكى العملاء شيوخاً للشريعة". كما أضاف على الحاشية بأن عدداً من "الإخوة" سيتم اختيارهم وتزويجهم ببنات أكثر العائلات نفوذاً "لضمان التغلغل في هذه العائلات دون إدراكها لذلك".

في الفصل الخامس "مع بعض من أجل ضربة مضادة" يتحدث عن معركة ثوار سوريا ضد هذا التنظيم في بدايات ٢٠١٤ حيث استطاعوا توجيه ضربة شديدة له أفقدته معظم المناطق التي سيطر عليها. حيث يصفهم كريستوف بأنهم القوة الوحيدة التي استطاعت إثبات فعالية حقيقية وقدرة يعول عليها في قتال تنظيم الدولة. ثم يتحدث بعد ذلك في الفصل الذي يليه عن سقوط الموصل واغتنام التنظيم لموارد هائلة مكنته من العودة إلى سوريا مجددا ولكن بعدة وعتاد أكبر في حين كان ثوار سوريا يقاتلون على جبهتين (الاسد وداعش) ويعانون من نقص التمويل والامداد. الجديد في الفصل الخامس هو إثبات كريستوف بالتواريخ والاحداث كيف أن سلاح الجو السوري لنظام الاسد كان يعمل دائما في خدمة تنظيم داعش. حيث أنه كان يعمل على انقاذ تنظيم داعش في معاركه مع الثوار في حين أنه لم يتعرض إلا نادرا جدا لقوات داعش التي كانت تتحرك بحرية كاملة بين العراق وسوريا. كما أن تنظيم داعش عمل على انقاذ قوات النظام عشرات المرات من خلال طعن قوات الثوار المحاصرة لهم من الخلف.

"القاعدة كانت البارحة" هو عنوان الفصل السابع حيث يعتقد كريستوف أن تنظيم داعش طوى صفحة تنظيم القاعدة وأفقده مصداقيته. فهو يرى أن القاعدة كانت منظمة لإرهابيين حالمين، في حين تنظيم داعش أصبح منظمة لمخططين استراتيجيين يعرفون ما يطلبون ويعرفون كيف يسعون لتحقيق أهدافهم.

في الفصول التالية يتحدث الكاتب عن مآسي اليزيديين "على جبل اليزيديين" ويتحدث كذلك عن القوة الاعلامية لتنظيم داعش "من يقطع الرؤوس يتمتع بالمصداقية" ويتحدث أيضا عن المصادر المالية لتنظيم داعش "كوريا الشمالية بالعربي" يتميز كريستوف في هذا الفصل عن غيره من المؤلفين أيضا بتتبعه التفاصيل الدقيقة لكيفية استحصال التنظيم على الاموال ليخرج بنتيجة مفادها أن أهم مصدر للتمويل لتنظيم داعش ليس النفط وتجارة الآثار كما أثار بعض الكتاب الغربيين، وإنما هو الضرائب والمصادرات من السكان الخاضعين لمناطق نفوذه.

في الفصل الاخير "المشائين في نومهم" يتحدث عن سياسات دول الجوار السوري والعراقي ويخص بالذكر تركيا التي سهلت حسب الكاتب عبور آلاف الجهاديين للوصول لتنظيم داعش. ويتحدث عن السياسة الامريكية في مكافحة هذا التنظيم منذ أكثر من عشرة سنوات ولكن دون نتائج قابلة للاستمرار والحياة. ثم يختم الكتاب بإنه طالما لا زال بشار الاسد يحكم دمشق فعلى تنظيم داعش أن يشعر بالاطمئنان. لأن الاسد لن يتمكن من القضاء على هذا التنظيم ولا يريد ذلك أصلا، ولن يترك للثوار فسحة أو فرصة كي يقضوا على هذا التنظيم. حيث أن وجود هذا التنظيم هو المشرعن الحقيقي والوحيد لاستمرار الاسد في السلطة. فتنظيم داعش يجعل كل فظائع النظام الاسدي تبدو مقبولة أمام ما يقدمه تنظيم داعش للعالم من أهوال.

ما يميز هذا الكتاب عن ما سواه من عشرات الكتب التي تمت كتابتها حول هذا الموضوع أنه لا يقدم تحليلات ونظريات لتفسير سلوكيات تنظيم داعش ثم يسعى لاثباتها، بل على العكس من ذلك، ينطلق المؤلف من وصف قصص ومشاهد وأحداث أرخت للعديد من الخطوات العملية والتكتيكات التي قام بها التنظيم على المستوى المحلي اليومي في سوريا منذ ظهوره في ٢٠١٣ وحتى يومنا هذا كي يتمكن الكاتب أو القارئ من تحليل استراتيجية التنظيم فيما بعد. أي أن الكتاب قام باستقراء استراتيجية التنظيم العامة من خلال تجميع الصورة الأكبر الناشئة عن تحديد النشاطات اليومية والتفصيلية التي اعتمدها التنظيم لاختراق المناطق السورية المحررة من سلطة نظام الاسد. في حين أن أغلب الكتب العربية والغربية بشكل خاص حاولت فهم استراتيجية وهيكلية داعش من خلال تحليل ايديلوجيته وأدبياته أو خطابه الاعلامي. ولعل مرد هذا الفرق بشكل رئيسي هو أن الكاتب كريستوف زار سوريا ١٨ مرة خلال السنوات الاربعة الماضية وزار أغلب المدن المحررة بنفسه وقابل أهلها وسجل انطباعتهم، كما أنه قابل العديد من اعضاء النصرة وبعض المنشقين عن تنظيم داعش. الامر الذي وفر له كم هائل من التفاصيل والقصص والحكايا التي وجدت لها في هذا الكتاب طريقا للظهور إلى العلن.

مايمكن أخذه على الكتاب هو ميله الملحوظ لتحليل وتفسير ظاهرة داعش من خلال المنظار الامني والمخابراتي بشكل شبه حصري. فالانطباع الذي يتركه الكتاب لدى قارئه هو أن حل الجيش العراقي على يد بول بريمر في الـ ٢٠٠٣ ترك آلاف الضباط المدربين وأصحاب الخبرات الاستراتيجية في المخابرات وفي الحرب عاطلين عن العمل وهؤلاء هم التفسير الحقيقي لقوة هذا التنظيم. إلا أن ظاهرة داعش هي من التعقيد بما لا يسمح لإحالة تفسيرها لبعد واحد فقط، حيث الظلم الاجتماعي المتراكم وفشل الدولة المركزية ورداءة التعليم العام وجمود الخطاب الديني وحدود سايكس بيكو كلها عوامل كان لها دورها في صناعة تنظيم داعش ونموه.

رغم بعض المآخذ التي يمكن تسجيلها على الكتاب إلا أنه يبقى الكتاب الوحيد - ليس فقط في الغرب بل وفي عالمنا العربي - الذي وثق بالاحداث والشواهد والوثائق للطرق والاساليب والادوات الذي اتبعها تنظيم الدولة للوصول على ماهو عليه اليوم من اتساع وسطوة. الامر الذي يجعل منه وثيقة تاريخية مهمة تأرخ لمرحلة غامضة من تاريخ المنطقة، كما تجعل منه مرجعا لا غنى عنه لكل باحث في هذه الموضوع.


 تم نشره على موقع الجزيرة نت في ٢٣ أبريل لعام ٢٠١٥ تحت الرابط التالي: اضغط هنا

 

 

البحث

حقوق إعادة النشر متاحة لكل من يرغب شرط الإشارة للمصدر

Powered by MIB 2014